قضت الدائرة الجنائية الرابعة بالمحكمة الابتدائية بتونس بسجن وكيل الجمهورية الأسبق بالمحكمة الابتدائية بتونس البشير العكرمي مدة 15 عامًا، في قضية تتعلق بتهم “التدليس ومسك واستعمال مدلس”، مرتبطة بأعمال قضائية باشرها خلال إشرافه على جانب من الأبحاث المتعلقة باغتيال شكري بلعيد.
ويأتي الحكم الجديد في وقت يقبع فيه العكرمي بالسجن على ذمة قضايا أخرى مرتبطة أيضًا بطريقة تعامله مع ملفات قضائية خلال الفترة التي تولى فيها مسؤوليات قضائية بالمحكمة الابتدائية بتونس، وقد صدرت في حقه خلال الأشهر الماضية أحكام استئنافية بلغ مجموعها 29 عامًا في قضيتين منفصلتين.
وفي هذا الإطار، طالب مرصد الحرية لتونس بضمان حق البشير العكرمي في الطعن في الحكم الابتدائي الجديد بالسجن 15 عامًا وتمكين هيئة دفاعه من الاطلاع الكامل على الحكم وأسبابه وملف القضية مع الفصل بوضوح بين التهم المتعلقة بأعمال العكرمي القضائية وبين المسؤولية عن جريمة اغتيال شكري بلعيد نفسها، وعدم الخلط بين الملفات في الخطاب العام أو الإعلامي.
كما طالب بالكف عن التوظيف السياسي لملفي اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وضمان بقاء جميع التتبعات محصورة في الوقائع والأدلة الفردية التي يمكن إثباتها قضائيًا مع احترام مبدأ شخصية المسؤولية الجزائية وعدم تحميل أحزاب أو قيادات سياسية أو قضاة مسؤولية الاغتيال أو المساهمة فيه لمجرد الانتماء السياسي أو الصفة الوظيفية أو الخلاف حول قرارات سابقة.
وشدد المرصد على ضرورة الكف عن استخدام ملفي الاغتيال لتجريم الخصومة السياسية أو إعادة تدوير اتهامات غير مدعومة بأدلة مادية كافية داخل قضايا جزائية جديدة ومواصلة التحقيق في كل شبهة جدية تتعلق بالتخطيط أو التحريض أو المساعدة على الإفلات من العقاب، مع احترام قرينة البراءة واستقلال القضاء وكامل ضمانات الدفاع.
وتعود القضية الحالية إلى أعمال قضائية قام بها البشير العكرمي خلال تعهده بملف اغتيال شكري بلعيد.
وبحسب المعطيات القضائية، تتمثل الوقائع موضوع التتبع في أن العكرمي قرر حفظ التهم في حق حمزة العرفاوي وسيف الدين العرفاوي، استنادًا إلى “سبق التعهد” بشأنهما في قضية تحقيقية أخرى.
واستند قرار الحفظ إلى أن العكرمي اطلع على الملف التحقيقي المعني بتاريخ 25 فيفري 2014، في حين أن البحث في ذلك الملف كان قد خُتم يوم 30 ديسمبر 2013 وأُحيل إلى دائرة الاتهام بمحكمة الاستئناف بتونس يوم 10 جانفي 2014، أي قبل التاريخ المثبت في قرار الاطلاع محل التتبع. وعلى أساس هذه الوقائع وُجهت إليه تهم التدليس ومسك واستعمال مدلس.
وتعود الشكاية في هذا الملف إلى حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد وورثة محمد البراهمي، وتتعلق بأعمال قضائية قام بها العكرمي أثناء إشرافه على جانب من التحقيقات المتعلقة باغتيال بلعيد.
وشهدت القضية مسارًا إجرائيًا طويلًا قبل صدور الحكم الحالي٬ ففي جوان 2024، قررت دائرة الاتهام إحالة العكرمي على الدائرة الجنائية لمحاكمته من أجل التدليس ومسك واستعمال مدلس. غير أن محكمة التعقيب قضت يوم 25 فيفري 2025 بنقض قرار الإحالة وإعادة الملف إلى دائرة الاتهام للنظر فيه مجددًا بواسطة هيئة مغايرة.
وعادت دائرة الاتهام يوم 24 جوان 2025 إلى اتخاذ قرار بإحالته على الدائرة الجنائية بالتهم نفسها وأعلن محاميه حمادي الزعفراني حينها أن هيئة الدفاع طعنت مجددًا في قرار الإحالة، ليُعرض الطعن على الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب. وانتهى هذا المسار في طوره الابتدائي إلى الحكم الصادر بالسجن 15 عامًا.
ولا يمثل الحكم الجديد أول عقوبة سجنية ثقيلة تصدر ضد البشير العكرمي خلال العام الجاري.
ففي 3 مارس 2026، أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس حكمين ضده بلغ مجموعهما 23 عامًا. وقضت في القضية الأولى بسجنه عشرة أعوام، فيما صدر في القضية الثانية حكم بالسجن 13 عامًا شمله إلى جانب الحبيب اللوز وحسن بن بريك وآخرين.
وتعلقت القضية الأولى باتهامات من بينها تعمد موظف عمومي ترك واجب القبض على متهم بقصد مساعدته على الإفلات من التتبعات، وإخفاء الحقيقة باستعمال خصائص الوظيفة القضائية.
أما القضية الثانية فتعلقت بتهم مرتبطة بوضع خبرات أو إمكانيات على ذمة أشخاص لهم علاقة بجرائم إرهابية، وتسريب معلومات لمساعدتهم على الإفلات من العقاب إلى جانب التدليس.
وفي 13 جويلية 2026، شددت محكمة الاستئناف العقوبات، ليرتفع مجموع الأحكام على العكرمي في القضيتين من 23 إلى 29 عامًا. ورفعت إحدى العقوبتين من عشرة إلى 12 عامًا، فيما أصبح الحكم في القضية الثانية 17 عامًا.
وبذلك يكون الحكم الجديد بالسجن 15 عامًا قضية مستقلة عن الحكمين الاستئنافيين السابقين، وإن كانت الملفات الثلاثة ترتبط بأعمال قضائية نُسبت إلى العكرمي خلال تعهده بملفات مرتبطة باغتيال شكري بلعيد.