وكانت دائرة الاتهام لدى محكمة الاستئناف بتونس قد أحالت زياد الهاني، بصفته عضوًا سابقًا بالنيابة الخصوصية لبلدية قرطاج، وعز الدين باش شاوش بصفته رئيسًا سابقًا للنيابة الخصوصية، ونائبه السابق محمد علي الحمامي، إلى جانب متهمين اثنين آخرين، على الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس.
وتتعلق التهم المنشورة بـتعمد موظف عمومي أو من في حكمه استغلال صفته لاستخلاص فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره والإضرار بالإدارة والمشاركة في ذلك، على خلفية عملية تفويت في عقار بلدي قالت جهة الشكاية إن ثمنه لم يكن متناسبًا مع قيمته الفعلية.
وفي هذا الإطار، طالب مرصد الحرية لتونس بـالإفراج عن زياد الهاني وتمكينه من متابعة القضية بحالة سراح ما لم توجد أسباب محددة تبرر استمرار إيقافه مع تحديد الفعل الشخصي المنسوب إلى كل متهم والمرحلة التي شارك فيها فعليًا من مسار التسوية والتفويت، وعدم تحميله مسؤولية قرارات سبقت توليه مهامه أو لم يشارك فيها.
كما طالب بتمكين الدفاع من كامل تقارير الخبرة العقارية والقرارات البلدية والمراسلات والمصادقات الإدارية التي استند إليها الاتهام، ومناقشة أسس تقييم العقار وقيمة الضرر أمام المحكمة وعدم استخدام تعدد التتبعات القضائية ضد زياد الهاني لتكوين حكم مسبق بشأن مسؤوليته في هذا الملف أو لممارسة ضغط على نشاطه الصحفي.
وشدد المرصد على ضرورة الكف عن أي ملاحقات أو إجراءات يكون هدفها الانتقام من الصحفيين أو إنهاكهم بسبب مواقفهم وآرائهم، وضمان حماية حرية الصحافة ومصادر الصحفيين وفق القانون مع ضمان الرعاية الصحية اللازمة لزياد الهاني وسلامته وكرامته طوال مدة احتجازه.
وتعود جذور النزاع إلى سنة 1967، عندما نفذت الدولة مشروعًا لإجلاء متساكنين من منطقة المعلقة بقرطاج ونقلهم إلى حي محمد علي، وجرى الاتفاق مع إحدى العائلات على تعويضها بعقار تابع لبلدية قرطاج أُسند إليها بصورة وقتية وبمعلوم كراء رمزي إلى حين استكمال إجراءات المعاوضة.
وظلت التسوية معلقة لعقود، قبل أن يعيد المجلس البلدي لقرطاج سنة 2008 النظر في الملف ويصادق على مبدأ التسوية. وتقول هيئة الدفاع إن الأبحاث الإدارية والإجراءات المتعلقة بتحديد قيمة العقار والمصادقة على التسوية بدأت قبل التحاق زياد الهاني بالنيابة الخصوصية.
أما الشكاية التي انطلقت على أساسها الأبحاث القضائية الحالية فقد تقدمت بها سنة 2022 جمعية تُعنى بحماية التراث الأثري والثقافي بمدينة قرطاج، واعتبرت أن التفويت في قطعة أرض تبلغ مساحتها 733 مترًا مربعًا تم لفائدة أحد الخواص مقابل نحو 49 ألف دينار، وأن الثمن لا يتناسب مع القيمة الحقيقية للعقار وموقعه، مع عدم الاستئناس بخبراء مصالح أملاك الدولة.
وبحسب مصدر قضائي استند الملف إلى تقرير خبرة خلص إلى وجود فارق بين السعر المضمن بعقد التفويت والقيمة المقدرة للعقار زمن العملية.
ويتمسك دفاع زياد الهاني بأن مختلف القرارات الأساسية المتعلقة بتسوية وضعية العقار اتُّخذت قبل توليه مسؤولياته داخل بلدية قرطاج، وأن أصل الملف يمتد لعقود ولا يمكن تحميل عضو لاحق في النيابة الخصوصية مسؤولية كامل المسار الإداري دون تحديد القرار أو الفعل الذي شارك فيه شخصيًا.
كما يؤكد الدفاع ضرورة الفصل بين موافقة هيكل بلدي على استكمال تسوية إدارية وبين ثبوت استغلال الصفة أو تحقيق فائدة غير مشروعة، باعتبار أن المسؤولية الجزائية يجب أن تقوم على فعل شخصي محدد وعلى إثبات القصد والضرر وعلاقة السببية.
وكان قاضي التحقيق بالمكتب عدد 17 بالمحكمة الابتدائية بتونس قد أبقى زياد الهاني بحالة سراح عندما مثل أمامه في فيفري 2025، قبل أن تقرر دائرة الاتهام في 9 جوان 2026 إصدار بطاقة إيداع بالسجن في حقه وأربعة متهمين آخرين وإحالتهم إلى الدائرة الجنائية.
وفي 15 جوان 2026 أفرجت المحكمة عن عز الدين باش شاوش وواصل محاكمته بحالة سراح، فيما رفضت في 30 جوان مطالب الإفراج عن زياد الهاني ومسؤولين آخرين وأجلت القضية إلى 2 أكتوبر، قبل أن تؤجلها مجددًا إلى 3 نوفمبر.
ويأتي استمرار القضية العقارية في وقت يواجه فيه زياد الهاني سلسلة من التتبعات القضائية الأخرى.
فقد صدر في حقه حكم بالسجن عامًا واحدًا في قضية تتعلق بالإساءة إلى الغير عبر شبكات الإتصال، على خلفية تصريحات انتقد فيها القضاء، قبل انتقال الملف إلى مرحلة الاستئناف.
كما يحاكم في قضية أخرى أمام الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الإرهاب، مرتبطة بالتسجيلات الصوتية المنسوبة إلى منذر الونيسي. وكان الهاني قد أُحيل في ذلك الملف بحالة سراح، وطالب بالحضور شخصيًا في الجلسة المقررة يوم 16 أكتوبر بدل المشاركة عن بعد، معتبرًا أن الإشكالات التقنية التي واجهها خلال جلسة سابقة حالت دون متابعته المحاكمة بصورة طبيعية.
ويؤكد الهاني في ذلك الملف أن الاتصالات التي أجراها والحصول على وثائق والتحقق منها كانت مرتبطة بعمله الصحفي وبعلاقته بمصادره، وهو ما يجعل تلك القضية مستقلة تمامًا عن ملف عقار بلدية قرطاج.
أخبار ذات صلة: