جددت جمعية القضاة التونسيين، في بيان لها دعوتها، لكافة القضاة العدليين والإداريين والماليين بمختلف أصنافهم ورتبهم إلى “مزيد التمسك باستقلالهم وحيادهم في أداء رسالتهم النبيلة، رغم شدة الظرف وصعوبته، وعدم الخضوع لأي ضغوطات تسلط عليهم مهما كان نوعها ومصدرها ولعب دورهم كاملًا في حماية الحقوق والحريات وتفعيل مبادئ المحاكمة العادلة وإعلاء قيمة العدل.
وقد لاحظت جمعية القضاة، “مواصلة انتهاج سياسة تعطيل استكمال تركيبة مجلس القضاء العدلي المؤقت وتعطيل تركيز مجلس أعلى للقضاء العدلي، بما فتح الباب أمام وزارة العدل لوضع اليد كليّا على السلطة القضائية والانفراد بالإشراف على المسارات المهنية للقضاة بغاية تطويعهم خلافًا لجميع المعايير الدولية المضمّنة بالمعاهدات والاتفاقيات المصادق عليها من طرف الدولة التونسية”.
وأشارت إلى أنها عاينت “تكثّف إصدار مذكرات العمل خلال العطلة القضائية وفي مستهل شهر سبتمبر وبعد انطلاق السنة القضائية مطلع هذا الأسبوع شملت مئات القضاة ومن ضمنهم وكيل الرئيس الأول لمحكمة التعقيب وعدد كبير من الوكلاء العامين لدى محاكم الاستئناف وأغلب وكلاء الجمهورية لدى المحاكم الابتدائيّة ليفوق العدد الجملي لمذكرات العمل ألفي مذكّرة (2.000) منذ انطلاق العمل بهذه الآلية”.
وسجّلت الجمعية “مجموعة من الممارسات المتكررة والمخلة باستقلال القضاء وأساسًا: الطابع السري لمذكّرات العمل، إلغاء إعلان الشغورات عبر المحاكم، غياب مبدأ تقييم القضاة ومبدأ التناظر بينهم على المسؤوليات القضائية، إلغاء مبدأ تعليل نقل القضاة بدون رضاهم، الاعتباطية في إلغاء مبدأ التخصص في التسميات القضائيّة وفي توزيع العمل داخل المحاكم، المنحى العقابي للنقل، استعمال النقل الفجئية والمهينة بالمسؤوليات العليا بالمحاكم الكبرى، مواصلة نهج عدم تنفيذ أحكام المحكمة الإدارية القاضية بإرجاع 49 قاضيًا شملتهم مذبحة إعفاء القضاة في 1 جوان 2022 رغم مرور أكثر من 4 سنوات من صدور هذه الأحكام وبالتالي تأبيد المظلمة التي تعرّضوا لها” وفقها.
وفي ظل ما وصفتها بهذه “الخروقات الجسيمة”، أكدت جمعية القضاة على أنّ “هدم جملة المبادئ والضمانات المؤسسية لاستقلال القضاء ونزاهته وإقصاء ركن أساسي من ركائز القضاء المستقل وهي الحركة القضائية، قد أخرج القضاء من إدارة التصور الشامل والإصلاحي صلب مجلس مستقل وشفاف وأفضى بالنتيجة إلى واقع يحكمه التسيير اليومي من وزارة العدل لكل الشأن القضائي وتهيمن عليه الفوضى والعشوائية والاعتباط والتعسف كما أدى هذا الوضع عمليا إلى إشاعة سلوكات المحسوبية والولاء للسلطة التنفيذية على نطاق واسع”.
وفي هذا السياق، أشارت إلى أنه “من آثار خضوع تسميات القضاة ونقلهم وترقياتهم للسرية التامة ظهور حملات التسريبات حول تلك النقل والترقيات وإسناد المسؤوليات والتجريد منها والحديث عن إيقافات وتتبعات ضد البعض منهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي..” مستنكرة “مواصلة استفراد وزارة العدل بالمسارات المهنية للقضاة نقلة وترقية وإسنادًا للخطط القضائية وتجريدًا منها مع الحطّ من الدرجة في العديد من الحالات في غياب أبسط قواعد الشفافية والمساواة ودون إطلاع القضاة على معايير محددة مسبقًا ودعوتهم للتناظر على أساسها بما يخلق حالة من الارتجال والعشوائية برزت خاصة في إسناد خطط السلسلة الجزائية ومنها خطة وكيل الجمهورية التي تشهد تغييرًا متواصلًا بالعديد من المحاكم في ظرف وجيز وخاصّة محاكم تونس والمنستير وقابس وصفاقس 2 مما أثر في أداء سير المرفق القضائي وعطّل بصفة كبيرة فصل القضايا”.
وجدّدت جمعية القضاة، التنبيه إلى أن “إدارة المسارات المهنية للقضاة بواسطة مذكرات العمل المفتقرة لكل سند قانوني والمخالفة للدستور وللمعايير الدولية لاستقلال القضاء وغياب الحركة القضائية أدى إلى إفراغ محاكم ذات مرجع نظر واسع من عدد القضاة الكافي لعدد القضايا المنشور بها وحجمها بما أثقل كاهل من تبقى من القضاة بتلك المحاكم وعطل سير البت في القضايا وختم الأبحاث وتلخيص الأحكام والقرارات في الآجال المعقولة وتوجيه الملفات للمحاكم الأعلى درجة بعد ممارسة الطعون ووضع صعوبات جمة أمام المحامين في متابعة قضايا موكليهم وأمام كل المتعاملين مع المحاكم مقابل إغراق محاكم ذات مرجع نظر محدود وعدد قضايا محدودة بعدد من القضاة يفوق حجم العمل بكثير بما مس جوهريًا بسلامة التوزيع المتوازن للقضاة وبحسن سير القضاء عبر المحاكم واستقرار العمل بها وبحقوق المتقاضين”.
واعتبرت الجمعية أنّ “انتهاج سياسة التشفي والانتقام ضد عدد كبير من القضاة بتعمد نقلتهم لمحاكم تبعد مئات الكيلومترات عن مقرات سكناهم وتكرار ذلك في العديد من الحالات ترهيبًا لهم ومحاولة لتطويعهم بعد ثبوت تمسكهم باستقلالية قراراتهم في القضايا المعروضة أمامهم يمثل تجاوزًا خطيرًا غير مؤسس قانونًا ومخالفة صريحة لمبدإ عدم نقلة القاضي إلا برضاه المكرس بموجب الدستور والقوانين النافذة”.
كما أعربت عن “استنكارها لقرارات إيقاف القضاة عن العمل في غياب أبسط ضمانات الدفاع ودون اتباع قواعد المساءلة التأديبية..” محذّرة من “تداعيات سياسة الترهيب المسلطة على القضاة وإشاعة أجواء الخوف والرعب وانعدام الأمان بينهم من قبل وزارة العدل على وضع الحقوق والحريات وحقوق المتقاضين بالنظر لخطورة ما آل إليه الوضع القضائي وما يطال القضاة يوميًا من إجراءات تعسفية غير مسبوقة تهدّد دورهم في حماية الحريات في ظل تغول السلطة التنفيذية وتمددها داخل القضاء وخطورة توظيف جهاز التفقدية العامة للمساس بحقوق القضاة المكفولة لهم قانونًا بغاية إشاعة حالة من الريبة والخوف عند فصلهم في النزاعات المعروضة عليهم سيما تلك التي أثارتها السلطة التنفيذية أو تدخلت في مجرياتها”.