أفادت منظمة آلرت أن تونس تعاني اليوم من عجز هيكلي في قدرتها على إنتاج الكهرباء. فالقدرة المتاحة فعليا لمنظومة الإنتاج الوطنية تتراوح بين 4.5 و5 جيغاواط، تضاف إليها قرابة 0.7 جيغاواط من الواردات الجزائرية، في المقابل بلغت ذروة الطلب خلال فترات الحر نحو 7.5 جيغاواط، مما يعني تسجيل عجز يناهز 2 جيغاواط في ساعات الذروة.
وأكّدت آلرت، في بيان، أن هذا العجز لم يكن مفاجأة لأحد، فمنذ شهر أفريل الماضي، وجّهت الشركة التونسية للكهرباء والغاز مراسلة مباشرة إلى رئاسة الجمهورية، حذّرت فيها بوضوح من بلوغ العجز هذا المستوى خلال الصيف، ومن أن اللجوء إلى القطع المبرمج للتيار الكهربائي (ديليستاج) سيكون أمراً وارداً متى بلغ الطلب مستوياته المتوقعة، مطالبة بتدخل مباشر لتوفير ميزانية استثنائية لاقتناء المعدات اللازمة لتجاوز الأزمة.
وشدّدت على أن هذه المعلومة لم تكن محصورة داخل أروقة الشركة أو الوزارة، بل إن رئاسة الجمهورية ذاتها كانت على علم مسبق، منذ أفريل، بحجم العجز المتوقع وباحتمال انقطاع الكهرباء، خاصة وأن الشركة تنبّه منذ سنوات إلى ضرورة الاستثمار في قدرات إنتاج جديدة.
وأوضحت أن ما نواجهه اليوم ليس مشكلة تقنية طارئة، بل هو ضريبة خيارات وسياسات متخبطة وتأخر متراكم في الاستثمار.
وأشارت ألرت إلى أن تونس ليست من البلدان ذات الاستهلاك الفردي المرتفع جدا، إذ يقارب متوسط استهلاك الفرد عالميا 3500 كيلوواط ساعة سنويا، بينما لا يتجاوز في تونس 1600 كيلوواط ساعة، معتبرة أن المشكلة لا تكمن ببساطة في استهلاك التونسي المفرط، بل في ضعف القدرة الإنتاجية، وعدم مواكبة الشبكة لتطور الطلب، وسوء التوزيع الزمني للاستهلاك، فضلا عن الارتفاع الصاروخي لذروة الاستهلاك الصيفي مقارنة ببقية فترات السنة، وفق نص البيان.
وأفادت المنظمة بأنه طيلة السنوات الماضية، كانت الإجابة الرسمية تتركز على الطاقات المتجددة كحل بديل، مع تحديد هدف بلوغ نسبة 35% من الإنتاج، تزامنا مع ضغوط الممولين الدوليين للحد من الاستثمار في المحطات الغازية.
واعتبرت أن الأمن الطاقي لا يُبنى بالشعارات، فحتى لو بلغنا تلك النسبة، ستظل منظومة كهربائية يصل أقصى طلب عليها إلى 7.5 جيغاواط بحاجة ماسة إلى قدرات إنتاج يمكن التحكم فيها وتشغيلها عند الحاجة. فالطاقة الشمسية ترتبط بوجود الشمس لا بقرار الشبكة واحتياجاتها. من هذا المنطلق، يصبح استكمال مشروع للربط الكهربائي مع إيطاليا ضرورة حتمية، إلى جانب إضافة قدرات إنتاج مرنة كمحطة غازية جديدة، بالتوازي مع تطوير ما يقارب 1.5 جيغاواط إضافية من الطاقات المتجددة.
وأشارت إلى أن البطاريات المنزلية،رغم فائدتها الفردية فإنهت أعجز من أن يعالج عجزا هيكليا بحجم 2 جيغاواط أو أن يغير بمفرده معادلة المنظومة الوطنية.
شدّدت آلرت على أن المطلوب أعمق بكثير، فاستهلاك الكهرباء يتركز جغرافيا في تونس الكبرى وقطاعيا في الصناعة، مما يستوجب مراجعة جذرية لمنظومة الإنتاج الذاتي للطاقة، وتحديدا التخلي عن سقف 30% المعمول به في نظام الجهد المتوسط، لتشجيع المؤسسات الصناعية في كامل أنحاء البلاد فعليا على إنتاج الحيز الأكبر من احتياجاتها عبر الطاقة الشمسية.
واعتبرت أنه من المفارقات أن ينخفض الطلب شتاءً إلى 1.5 جيغاواط، ليقفز في ظهيرة يوم صيفي قائظ إلى 7.5 جيغاواط، مما يضع الشركة الوطنية أمام تحدي إدارة منظومة شديدة التذبذب.
وأكّدت أن ما نعيشه اليوم لا يحتاج إلى نظرية مؤامرة لتفسيره، بل هو النتيجة الحتمية لسنوات من تأجيل القرارات، وتأخير الاستثمارات، وغياب سياسة طاقية متكاملة تعالج الإنتاج والاستهلاك والتخزين كأجزاء لا تتجزأ من المشكلة ذاتها.