قضت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس، مساء أمس الخميس 21 ماي 2026، بالسجن مدة عشر سنوات في حق الرئيس السابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب، وذلك من أجل تهم تتعلق بـ”التدليس ومسك واستعمال مدلس وإعدام كتب مرمي بالتدليس” وفق ما أكدته معطيات قضائية.
وتتعلق القضية بوثائق ومراسلات كانت قد وُجهت سنة 2020 إلى مجلس نواب الشعب من قبل هيئة مكافحة الفساد عندما كان الطبيب على رأسها، في إطار ملف شبهة تضارب المصالح الذي طاول رئيس الحكومة الأسبق إلياس الفخفاخ.
ومثل شوقي الطبيب في هذه القضية بحالة سراح، وكان قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي قد أصدر في أفريل 2026 بطاقة إيداع بالسجن في حقه في ملف قضائي آخر منفصل يتعلق بتقرير دائرة المحاسبات والتصرف المالي والإداري داخل هيئة مكافحة الفساد.
وتعود وقائع القضية التي صدر فيها الحكم الأخير إلى فترة رئاسة شوقي الطبيب للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، حين أحالت الهيئة وثائق وتقارير إلى البرلمان تتعلق بشبهات تضارب مصالح تخص إلياس الفخفاخ وشركات مرتبطة به.
واتهمت النيابة العمومية الطبيب بتدليس بعض الوثائق أو المعطيات الواردة ضمن تلك المراسلات، قبل أن تُحال القضية على أنظار الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الفساد المالي.
وفي المقابل، دافع شوقي الطبيب سابقًا عن نفسه بالقول إن الملف لا يتعلق بوقائع فساد أو منفعة شخصية، وإنما بـ”خطإ مادي” في اسم شركة ورد في التقرير، معتبرًا أن الخطأ وقع بحسن نية أثناء إعداد الوثائق، وأن أعمال هيئة مكافحة الفساد تدخل ضمن صلاحياتها القانونية في التقصي والإبلاغ.
كما تمسك دفاعه بأن رئيس الهيئة يتمتع بحماية قانونية في ما يتعلق بالأعمال المرتبطة بمهامه الرقابية والتقصّية.
وقبل صدور الحكم الابتدائي، كانت دائرة الاتهام بمحكمة الاستئناف المختصة في قضايا الفساد المالي قد قررت إحالة الطبيب على الدائرة الجنائية مع الإبقاء على تحجير السفر، في حين تم حفظ التهم في حق متهم ثان لعدم كفاية الأدلة.
وفي هذا الإطار، طالب مرصد الحرية لتونس بـالإفراج الفوري عن شوقي الطبيب وتمكينه من مواصلة التقاضي في حالة سراح، مع مراجعة الحكم الابتدائي الصادر في حقه بما يضمن احترام مبادئ التناسب والمحاكمة العادلة.
كما شدد على عدم توظيف القضاء لتصفية الصراعات السياسية أو مراجعة أعمال الهيئات الرقابية المستقلة بأثر رجعي، مطالبا بحماية استقلالية مؤسسات مكافحة الفساد وضمان عدم تحويل العمل الرقابي إلى مصدر ملاحقة وانتقام.
واعتبر المرصد أن الحكم الصادر في حق شوقي الطبيب، بالنظر إلى طبيعة الوقائع محل النزاع، يثير مخاوف جدية من توظيف القضاء في سياق إعادة تصفية ملفات وصراعات سياسية ومؤسساتية تعود إلى مرحلة مكافحة الفساد وملف تضارب المصالح الذي هزّ السلطة سنة 2020.
كما اعتبر المرصد أن التوسع في تجريم أعمال مرتبطة بإعداد التقارير والمراسلات الرقابية، في غياب أدلة واضحة على وجود منفعة شخصية أو مشروع فساد مباشر، قد يشكل سابقة خطيرة من شأنها ضرب استقلالية هيئات الرقابة وإضعاف دورها في كشف الفساد داخل أجهزة الدولة، محذرا من أن تزامن هذا الحكم مع ملفات قضائية أخرى ثقيلة ضد شوقي الطبيب، في سياق سياسي شديد التوتر، يعزز الانطباع بوجود مسار قضائي ذي طابع انتقامي يتجاوز مجرد المحاسبة القانونية العادية، خاصة بالنظر إلى الدور الذي لعبته هيئة مكافحة الفساد سابقًا في فتح ملفات حساسة طالت شخصيات نافذة في الدولة.
و أكد المرصد أن الإيقاف والسجن المطول في القضايا ذات الخلفية السياسية أو المؤسساتية لا يجب أن يتحولا إلى وسيلة للضغط أو العقاب المسبق، وأن احترام قرينة البراءة وضمان المحاكمة العادلة يظل واجبًا أساسيًا مهما كانت طبيعة التهم أو موقع الشخص المعني.
ويواجه شوقي الطبيب، وهو محام وعميد سابق للمحامين، عدة ملفات قضائية متزامنة منذ مغادرته رئاسة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد سنة 2020، في سياق سياسي وقضائي تواصل بعد أزمة تضارب المصالح التي أطاحت بحكومة إلياس الفخفاخ.
وتُعد القضية الحالية منفصلة عن الملف الثاني، الذي أصدر فيه قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي يوم 14 أفريل 2026 بطاقة إيداع بالسجن ضد الطبيب، مع قرارات بتجميد ممتلكاته وأرصدته البنكية.
ويرتبط ذلك الملف بتحقيقات استندت إلى تقرير صادر عن دائرة المحاسبات، وشملت اتهامات باستغلال الصفة، والتصرف دون وجه حق في أموال عمومية، واختلاسها، وغسل الأموال، وتمتيع أعوان أو متعاونين بامتيازات ومنح دون سند قانوني.
وبحسب المعطيات القضائية، فإن التحقيقات شملت شبهات تتعلق بمواصلة التصرف المالي داخل الهيئة بعد انتهاء مهامه رسميًا، وصرف منح ومصاريف ومأموريات لفائدة أشخاص لا تربطهم بالهيئة صفة قانونية مباشرة، إضافة إلى تحميل ميزانية الهيئة مصاريف وديون وخطايا تأخير اعتُبرت مضرة بالمال العام.
وقد أُعفي شوقي الطبيب رسميًا من رئاسة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في أوت 2020، بعد أسابيع من تفجر ملف تضارب المصالح المتعلق بإلياس الفخفاخ واستقالة حكومته، وهو ما دفع هيئة دفاعه الى الاشارة الى ان جزءًا من الملاحقات القضائية الحالية لا يمكن فصله عن السياق السياسي الذي رافق تلك المرحلة.