ويأتي هذا الحكم بعد أن كانت محكمة التعقيب قد نقضت حكمًا استئنافيًا سابقًا، مع إحالة الملف مجددًا إلى محكمة الاستئناف للنظر فيه بهيئة قضائية مغايرة. وبعد المفاوضة، قررت المحكمة الإبقاء على أصل الإدانة مع التخفيض في العقوبة السجنية من سبعة أشهر إلى أربعة أشهر لكل واحد منهما.
تتعلق القضية الحالية بأحد الملفات المتفرعة عن قضية “التزكيات الشعبية” الخاصة بترشح العياشي زمال للانتخابات الرئاسية لسنة 2024، وهي القضية التي شهدت منذ أشهر سلسلة طويلة من التتبعات والأحكام المتعددة ضد زمال وعدد من أعضاء حملته الانتخابية، وفي مقدمتهم سوار البرقاوي.
وتتمحور التهم أساسًا حول شبهات “تدليس تزكيات انتخابية” و”استعمال معطيات شخصية دون ترخيص” وافتعال تزكيات لمواطنين، استنادًا خصوصًا إلى الفصل 199 من المجلة الجزائية والفصل 80 من قانون حماية المعطيات الشخصية.
وبحسب المعطيات القضائية، تم تفكيك ملف التزكيات إلى عدد كبير من القضايا المنفصلة، شملت في مرحلة أولى أربع قضايا، ثم ثماني قضايا، ثم تسع قضايا أخرى، قبل أن تتحدث هيئة الدفاع وتقارير حقوقية عن أكثر من عشر قضايا متفرقة مرتبطة بنفس الوقائع تقريبًا. وتواجه سوار البرقاوي لوحدها نحو 17 قضية مرتبطة بملف التزكيات.
وفي هذا الإطار، طالب مرصد الحرية لتونس بالإفراج عن العياشي زمال و سوار البرقاوي وتمكينهما من مواصلة التقاضي في حالة سراح، مع ضمان محاكمة عادلة وشفافة في جميع القضايا المنشورة ضدهما.
كما طالب باحترام مبدأ تناسب العقوبات وعدم تحويل النزاعات الانتخابية إلى مسارات زجرية مفرطة، والكف عن تفكيك الوقائع المتشابهة إلى عشرات القضايا بما يؤدي إلى تراكم أحكام سجنية ثقيلة مع احترام الحقوق السياسية للمترشحين والناشطين وعدم توظيف القضاء للتأثير على التعددية السياسية وضمان حقوق الدفاع والاطلاع الكامل على الملفات وتمكين المتهمين من التقاضي في ظروف عادلة.
واعتبر المرصد أن تفكيك ملف انتخابي واحد إلى عشرات القضايا المنفصلة وتسليط أحكام سجنية متراكمة يثير مخاوف جدية بشأن مدى تناسب التتبعات والعقوبات مع طبيعة الوقائع موضوع النزاع، وخاصة عندما يتعلق الأمر بمترشح رئاسي وطاقم حملته الانتخابية.
وأضاف المرصد أن تواصل ملاحقة العياشي زمال وسوار البرقاوي عبر عدد كبير من الملفات المتشابهة في الوقائع والتكييف القانوني يعزز الانطباع بوجود توظيف مفرط للقضاء الجزائي في إدارة النزاعات الانتخابية، بدل حصرها ضمن الأطر الانتخابية والإدارية التي يفترض أن تكون الأصل في مثل هذه الملفات.
وشدد المرصد على أن احترام نزاهة الانتخابات لا يمكن أن يتحقق عبر التضييق على الحقوق السياسية أو توسيع العقوبات السجنية في قضايا ذات صلة بالعمل الانتخابي، بل من خلال ضمان محاكمات عادلة وشفافة ومتوازنة تحترم حقوق الدفاع وقرينة البراءة وتناسب العقوبات.
كما عبر المرصد عن قلقه إزاء المعطيات المتداولة حول ظروف احتجاز سوار البرقاوي، داعيا إلى ضمان سلامتها الجسدية والنفسية وتمكينها من الرعاية الصحية الكاملة واحترام كرامتها داخل السجن.
بدأت التتبعات ضد العياشي زمال في سبتمبر 2024، قبل أسابيع قليلة من الانتخابات الرئاسية، إثر شكايات تتعلق بالتزكيات الشعبية الخاصة بملف ترشحه. وكان زمال أحد المترشحين المقبولين رسميًا للانتخابات الرئاسية ورئيس حركة “عازمون” قبل أن يتم إيقافه يوم 4 سبتمبر 2024.
وفي 1 أكتوبر 2024، أصدرت المحكمة الابتدائية تونس 2 حكمًا ابتدائيًا بسجنه 12 سنة في أربع قضايا مرتبطة بالتزكيات، بواقع ثلاث سنوات عن كل ملف. كما صدرت ضده أحكام أخرى بمحكمة جندوبة بلغت ستة أشهر ثم عشرين شهرًا في ملفات مرتبطة بدورها بالانتخابات والتزكيات.
وفي جانفي 2025، نظرت محكمة الاستئناف في تسعة ملفات مرتبطة بنفس القضية، حيث تم الإبقاء على أصل الإدانة مع تخفيف العقوبات إلى خمسة أشهر في ثلاث قضايا وسبعة أشهر في ست قضايا، أي ما يعادل قرابة أربع سنوات ونصف سجن إجمالًا بدل أكثر من عشرين سنة وفق ما أعلنته هيئة الدفاع آنذاك.
أما سوار البرقاوي، وهي أمينة مال حركة “عازمون” وعضوة في الحملة الانتخابية للعياشي زمال، فقد بدأت ملاحقتها منذ أوت 2024 إثر شكايات تتعلق بالتزكيات. وتم الاحتفاظ بها ثم إصدار بطاقة إيداع بالسجن في حقها قبل الإفراج عنها لاحقًا مع إخضاعها للمراقبة الإدارية، ثم إعادة إيقافها في سبتمبر 2024 أثناء توجهها للإمضاء الدوري بمركز الأمن.
كما تحدثت تقارير حقوقية خلال الفترة الماضية عن استمرار احتجازها بالسجن المدني بمنوبة، وعن معطيات تتعلق بسوء المعاملة والإهمال الطبي داخل السجن، في ظل استمرار تعدد القضايا المنشورة ضدها.
أخبار ذات صلة: