وهي مناسبة لاستحضار نضالات وتضحيات الآباء المؤسسين لمنظمة الوحدة الإفريقية حتى تكون إفريقيا للأفارقة سيّدةً لقرارها ومتحكّمةً في مقدّراتها وثرواتها الطبيعية وقادرة على فرض مكانتها في النظام الدولي.
وأكدت تونس، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية اليوم الأحد 24 ماي 2026، التزامها الثابت بتوطيد عُرى الأخوّة وتوثيق علاقات التعاون مع شقيقاتها في القارّة على أسس الاحترام المتبادل والتضامن والشراكة الرابحة والمنفعة المتبادلة، وحرصها الدؤوب على الدفاع عن المواقف الأفريقية المشتركة في جميع المحافل الدولية، وخاصة حقّ الشعوب الافريقية في بناء إفريقيا التي تنشدها موحّدة وآمنة مستقرّة ومزدهرة، تمتلك مصيرها بيدها وقد تخلصت من كلّ مظاهر الوصاية ومن كافة أشكال التدخّل في شؤونها الداخلية تحت أيّ مسمّى أو أيّة ذريعة كانت.
ولقد جعلت تونس من البعد الأفريقي أحد ثوابت سياستها الخارجية وخيارا استراتيجيا لا محيد عنه في علاقاتها الثنائية وتحركاتها متعددة الأطراف بما يحقّق التكامل الإفريقي وفقا لأولويات أجندة 2063 وبما يستجيب للتطلعات المشروعة لشعوب القارة في الأمن والاستقرار والتطوّر والنماء.
فعلى الصعيد الثنائي، فإنّ تونس ماضية في بناء شَرَاكات طويلة المَدَى مع الدول الإفريقية، تقوم على تقاسم المعرفة ونقل الخبرات، في قطاعات متعدّدة على غِرار البِناء والأشغال العامة وتصدير خدمات ذات قيمة مضافة عالية في الصحة والتعليم وتكنولوجيا المعلومات، وهي مجالات تمتلك فيها تونس كَفَاءَات عالية واكتَسبت فيها خِبرات متراكمة، ممّا جعلها قادرة على المنافسة عالميا. وستثابر تونس في دعم وتطوير وتنويع علاقات التعاون والشراكة مع بلدان القارة في المجالات والاقتصادية والأكاديمية والثقافية في إطار التعاون جنوب-جنوب.
أمّا على الصعيد متعدّد الأطراف، فإلى جانب المساهمة القيّمة والمُشرّفة لتونس في عمليات حفظ السلام في القارة تحت مظلة الاتحاد الإفريقي ومنظمة الأمم المتحدة، تواصل بلادنا مشاركتها الفاعلة في أنشطة الإتحاد الإفريقي ومختلف هياكله ومؤسساته وتعمل من خلال عضوية السيد رئيس الجمهورية في اللجنة الرئاسية المكلفة بالإشراف على مشروع الإصلاح المؤسساتي للمنظمة على دعمها ومنحها الوسائل الكفيلة بإضفاء المزيد من النجاعة عليها في سبيل تحقيق تطلعات شعوب القارة للأمن والإستقرار والتنمية في كنف احترام السيادة الوطنية للدول الأعضاء وأخذا في الإعتبار خصوصياتها وإمكانياتها.
كما جددت تونس تمسكها بِمَبْدأ “الحلول الإفريقية للتحدّيات الإفريقية”، حيث أنّ التحديات التي تواجهها القارة الإفريقية، مهما تعدّدت وتشعّبت، لا يمكن مجابهتها بصورة ناجعة إلا من خلال حلول إفريقية تنبع من واقع القارة وخصوصيات شعوبها، وتعكس أولوياتها الحقيقية، على أَنْ يقترن ذلك بدعم دولي فعلي ودائم، خاصّة بالنسبة لعمليات حفظ السَلام التي يقُودها الاتحاد الإفريقي، بمَا يضمن نجاعتها واستمراريتها.
ولقد شاركت تونس بصفة فعالة في مختلف المنتديات الهادفة إلى تعزيز الشراكة السياسية والاقتصادية بين بلدان الاتحاد الإفريقي والدول الصديقة. ودعت إلى ضرورة انتقال هذه الشراكات مِنْ نَماذج التعاون التقليدي إلى شراكات حقيقية ومُتكافئة، تقوم على النِدّية والاحترام المتبادل والثقة والمسؤولية والمصالح المشتركة، بِمَا يَتكيَّف مع المتغيّرات العالمية.
وفي هذا السياق، دعت تونس خلال قمة افريقيا- فرنسا (نيروبي، 12 ماي 2026) إلى التعجيل بإِصلاح مَجلس الأمن الدّولي بِمَا يعكس التغيّرات الراهنة للنظام الدولي وإِعادة هيكلة النظام المالي العالمي ليكون أكثر عَدْلاً وإنْصَافًا وشُمُوليةً بِمَا يستجيب لاحتياجات الدول النامية وسَدّ فَجْوَة تمويل التنمية من خلال الوفاء بالالتزامات الدولية وَمِنْ خلال تدعيم آليات العمل الدولي المشترك للتَصّدي للأزمات المُستجدّة وَشطب ديون الدول الفقيرة أو التخفيف منها أو إعادة رسكلتها في ضوء الارتفاع المُشّط لخدمة الدين، كَمَا دَعَا إلى ذلك رئيس الجمهورية السيد قيس سعيد خلال مشاركته في قمّة تمويل الاقتصاديات الإفريقية المنعقدة بباريس في شهر ماي من سنة 2021.
وتتطلّع تونس إلى أن تسهم هذه المنتديات في دعم أولويات القارة التي حدّدها الاتحاد الإفريقي، وفي مقدمتها التكامل الإقليمي والتصنيع، وتحقيق التنمية المستدامة حتى تصبح إفريقيا شريكا كاملا في صياغة مستقبل العالم، لا مجرّد سوق للمواد الأولية أو ساحة للتنافس الدولي.
وشددت تونس على أنه لم يَعُدْ مقبولًا اليوم أَنْ تبقى إفريقيا، مُجّرد فضاء للتدّخلات أو ساحة للتنافس الدولي، بل يجب أَنْ تكون شريكًا كاملًا في صياغة المصالح المتبادلة وَصُنع القرار من خلال تثمين إمكانياتها الذاتية واحترام استقلالية قرارها التنموي، وإنّ تحقيق ذلك يتطلّب من الدول الإفريقية توحيد مواقفها والتضامن فيما بينها من أجل إضفاء المزيد من المصداقية والفاعلية للقارّة داخل منظمة الأمم المتحدة دفاعا عن مصالح شعوبها والانخراط بجدية في إصلاح المنتظم الأممي ومنظومة العلاقات الدولية من أجل إرساء نظام دولي أكثر عدلا وانصافا وإنسانية يقطع مع الممارسات المجحفة للنظام الدولي الموروث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
كما أعربت تونس مجدّدا عن أملها في تجاوز حالات الهشاشة الأمنية التي تشهدها بعض دول القارّة نتيجة الصراعات المسلحة والنزاعات العرقية وتنامي نشاط الجماعات الإرهابية والتي أضحت تهدّد بصورة جدية أمنها واستقرارها، وأفرزت استفحالا خطيرا لظاهرة الهجرة غير النظامية التي يتمّ استغلالها من قبل شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود. ولقد دعت تونس إلى اعتماد مقاربة شاملة وتشاركية متضامنة لمعالجة هذه الظاهرة على قاعدة تقاسم المسؤولية والأعباء بين دول المصدر والعبور والوجهة، بما يحفظ كرامة الإنسان الافريقي ويوفّر له الإمكانيات التنموية اللازمة للعيش في كرامة في وطنه الأمّ.