سجلت الثلاثية الثانية من سنة 2026، 1884 تحركا اجتماعيا، لتعرف الفترة زيادة في النسق الاحتجاجي بنحو ال 44% بالمقارنة مع الثلاثية الأولى من نفس السنة التي شهدت خلالها البلاد 1310 تحركا، وفق ما نشره المرصد الاجتماعي التونسي التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعي في تقرير أفريل - جوان 2026.
وتتخذ من جديد الاحتجاجات النسق التصاعدي خلال شهر جوان أين وثق فريق عمل المرصد الاجتماعي التونسي 867 تحركا احتجاجيا، في مقابل 413 تحركا احتجاجيا خلال شهر ماي و604 تحركا خلال شهر افريل، و بالتالي يمثل جوان الشهر الأكثر احتقانا منذ بداية السنة، باعتبار ان الربع الاول للعام شهد خلاله شهر مارس 462 تحركا وشهر فيفري 335 أما شهر جانفي فكانت حصيلته 501 تحركا.
و باحتساب المعدل الشهري يأتي النصف الأول للسنة بمعدل تحركات في حدود ال 532 تحركا ما يعني أنه باستثناء شهر فيفري فقد كانت بقية الأشهر تدور في المعدل العام للنسق الاحتجاجي الذي عنون النصف الاول من السنة. كما يؤكد أن الاحتجاج أصبح آلية مستمرة للتعبير عن المطالب، وليس مجرد رد فعل ظرفي.
إجتماعيا يكشف هذا المؤشر عن استمرار حالة الاحتقان داخل فئات واسعة من المجتمع، خاصة في ظل تواصل المطالب المتعلقة بالتشغيل، وتسوية الوضعيات المهنية، وصرف المستحقات، وتحسين ظروف العمل. ويعني ذلك أن عددا كبيرا من المواطنين لم يعد يجد في القنوات الإدارية التقليدية وسيلة فعالة لطرح مطالبه، فاتجه إلى الاحتجاج باعتباره أداة ضغط مشروعة. كما يؤشر ارتفاع عدد التحركات إلى تراجع منسوب الثقة في قدرة المؤسسات على الاستجابة السريعة للمطالب الاجتماعية.
اقتصاديًا، يعكس ارتفاع الاحتجاجات استمرار الضغوط المعيشية، وفي مقدمتها تآكل القدرة الشرائية، وارتفاع كلفة الحياة، وتعطل الانتدابات، وتأخر صرف الأجور أو المستحقات في بعض القطاعات. كما أن تصاعد التحركات يعبر عن استمرار هشاشة سوق الشغل، وتنامي الاحتجاجات المرتبطة بالبطالة والعمل الهش، وهو ما يجعل العامل الاقتصادي المحرك الأساسي للحراك الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة.
أما سياسيا، فتشير الأرقام إلى أن الفضاء الاحتجاجي ما يزال يمثل إحدى أهم وسائل التعبير عن المطالب العامة الاجتماعية والاقتصادية، والاحتجاجات ذات الطابع المدني والسياسي، وهو يدل على اتساع دائرة المطالب ويؤكد أن المشهد الاحتجاجي أصبح أكثر تنوعًا من حيث الفاعلين والمواضيع المطروحة.
وتُظهر المقارنة مع السنوات الأخيرة تحولًا واضحًا في منحى الاحتجاجات:
الربع الأول 2025: 1132 تحركًا.
الربع الثاني 2025: 1254 تحركًا.
الربع الرابع 2025: 1493 تحركًا.
الربع الأول 2026: 1310 تحركًا.
الربع الثاني 2026: 1884 تحركًا.
كما تبرز هذه الأرقام أن نسق الاحتجاجات دخل منذ سنة 2025 مرحلة تصاعدية، شكّل خلالها الربع الثاني من سنة 2026 قفزة جديدة، بما يجعله من أكثر الفترات احتقانا خلال السنوات الأخيرة. وعلى الأغلب لا يعكس تسجيل 1884 تحركًا احتجاجيًا مجرد ارتفاع عددي، بل يكشف عن استمرار اختلالات هيكلية في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، مقابل تنامي لجوء مختلف الفئات إلى الاحتجاج كوسيلة للتأثير والضغط. وفي حال استمر هذا النسق خلال بقية السنة، فمن المرجح أن تسجل تونس إحدى أعلى مستويات الحراك الاحتجاجي منذ سنوات، بما يفرض على السلطات معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية العميقة بدل الاكتفاء بإدارة تداعياتها.
خلال الربع الثاني من السنة، حافظت المطالب المتصلة بالحق في التشغيل على تصدر حصيلة الاحتجاجات الموثقة من قبل المرصد الاجتماعي التونسي، حيث شكلت أكثر من 64% من المجموع العام، وارتبطت بتحركات المعطلين عن العمل من حاملي الشهائد الذين يواصلون الضغط من أجل تفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025، المتعلق بالأحكام الاستثنائية لانتداب خريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم في القطاع العام والوظيفة العمومية. وتحركات الدكاترة المعطلين عن العمل واعتصام خريجات معهد قرطاج درمش لإطارات الطفولة الذي يطالب بإلغاء المعايير الجديدة التي فرضتها وزارة المرأة والتي لا تتماشى مع مطالب المعتصمات ممن طالت بطالتهن، وبصرف المستحقات والأجور لعمال شركة البيئة بتطاوين العالقة منذ ثلاثة أشهر، وتحسين ظروف العمل، وتسوية الوضعية المهنية والترسيم وفتح باب الحوار مع النقابات. كما شكل إضراب موظفو وأعوان البنوك وشركات التأمين على امتداد ثلاثة أيام مشفوعة بحمل الشارة الحمراء ووقفات احتجاجية متتالية، وتحركات المحامين عناوين هامة ضمن تحركات الربع الثاني للسنة.
وعلى غرار الأشهر الماضية تأتي التحركات ذات الطابع المدني والسياسي في مرتبة الثانية، وشكلت نحو 20% من حصيلة التحركات الموثقة، وارتبطت بمطالب إفراج وتنديد بأحكام قضائية بالأساس، أين خاض مراد الزغيدي مدعوم من شقيقته مريم الزغيدي وابنته ايناس الزغيدي إضراب عن الطعام لمدة 11 يوما، وعبر وقفات احتجاجية تم المطالبة بإطلاق سراح الصحفي زياد الهاني وسعيدية مصباح والمحكومين في ما يعرف بقضية التآمر، وتم تنظيم تحركات طالبت بمحاكمة عادلة وبضمان حرية الصحافة والتعبير والكف عن تجريم العمل المدني، ونددت تحركات بتواصل العدوان الصهيوني على الأراضي الفلسطينية وطالبت بإطلاق سراح الموقوفين من نشطاء أسطول الصمود.
وتأتي التحركات المرتبطة بالحق في بيئة سليمة في مرتبة ثالثة أين شكلت نسبة 7% من الحصيلة، واتصلت في جزء كبير منها بمعضلة العطش والانقطاعات المتكررة لمياه الشرب التي يعيشها التونسيون والتونسيات منذ سنوات. يواصل متساكني الرويسات من ولاية القيروان التحرك والمطالبة بتدخل السلطات لوقف التداعيات الكارثية للتلوث البيئي الذي يتسبب فيه مصنع الإسمنت “سوتاسيب” نتيجة استخدامه لـ”فحم الكوك” البترولي. وتبقى مشاكل التسربات الغازية والتلوث الهوائي والبحري وتلوث التربة قائمة في ولاية قابس نتيجة السكب الصناعي المسجل هناك، كما تتواصل تحركات السكان المطالب بحل مشكلة الصرف الصحي التي تلوث الأرض والبحر، ويطالب المزارعون بتوفير مياه الري وتوفير دعم أفضل للقطاع الفلاحي.
وسجلت الثلاثية الثانية تحركات للمطالبة بالحق في الصحة وخدمات أفضل داخل مستشفياتنا العمومية، وبالحق في التنمية وفي النقل والتنقل وتحسين الخدمات العمومية المسداة للمواطن، والحق في الأمن والتأمين والحماية، والحق في تعليم ذو جودة، والحق في حرية الرأي والتعبير. ويواصل المرصد الاجتماعي التونسي متابعة حالة من عدم الرضا لدى عموم التونسيين، تعلقت بارتفاع الأسعار وتدني المستوى المعيشي وصعوبة مواجهة متطلبات الحياة، فضلا عن عن تردي واقع البنية التحتية.
وتواصل تونس العاصمة، بما تعكسه من مركزية القرار، احتلال المرتبة الأولى من حيث الجهات التي تعرف زخم احتجاجي خلال الربع الثاني للسنة، أين شهدت 470 تحركا، يليها في ذلك ولاية قفصة التي عرفت 142 تحركا، وتأتي في المرتبة الثالثة القيروان ب134 تحركا، ثم ولاية مدنين ب98، ولاية القصرين ب90 تحركا، وصفاقس ب77 تحركا، ونابل التي عرفت بدورها 77 تحركا، ومنوبة 75 تحركا، وتوزر 74 تحركا، وتطاوين 69 تحركا، وسوسة 65 تحركا، وسيدي بوزيد 60 تحركا. هذا وشهدت جميع ولايات الجمهورية خلال الثلاثية الأولى للسنة تحركات احتجاجية، سجلت زغوان أخفضها ب24 تحركا، والكاف وأريانة 30 تحركا في كل منهما، وشهدت سليانة 31 تحركا والمهدية 32 تحركا.
وشكل العمال الموظفون الفاعل الاجتماعي الأكثر تحركاً خلال الربع الحالي للسنة أين شاركوا في 594 تحركاً، يأتي بعدهم النشطاء الذين نظموا 200 تحركاً، ويليهم السكان الذين خاضوا 182 تحركاً، ثم أطباء الخدمة العامة الذين نظموا 169 تحركاً، ويأتي بعدهم النقابيون بـ 165 تحركاً. وشارك المعطلون عن العمل من أصحاب الشهائد العليا في 164 تحركاً، ونظم المحامون 102 تحركاً، في حين توزعت بقية التحركات بين المعلمين، والأساتذة، وإضرابات الجوع التي خاضها المساجين، وعمال الحضائر، والفلاحين، والصيادين، والقطاع الطبي وشبه الطبي، وسواق النقل العمومي والفردي الخاص، والتلاميذ، والتجار، والرياضيين .
واعتمد الفاعل الاجتماعي الفضاء الافتراضي كإطار لعرض مطالبه في نحو 19% من التحركات التي تم توثيقها، واعتمدت البيانات ونداءات الاستغاثة عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر وسائل الإعلام قناة لإيصال صوته والاحتجاج أو المطالبة. في حين شكل الاحتجاج الميداني نسبة 81% من التحركات المسجلة، واعتمد الفاعل الاجتماعي خلالها الوقفات الاحتجاجية في 534 تحركا، واختار حمل الشارة الحمراء في 437 مناسبة، واتجه الى الاعتصام في 235 مناسبة، واعتمد الاضراب في 122 تحركا، والتجأ الى إضرابات الجوع في 69 من الاحتجاجات المسجلة خلال الثلاثية الثانية للسنة، وانتظم خلال نفس الفترة 38 مسيرة سلمية، وتم تعطيل النشاط في 62 مناسبة، كما تم اعتماد اشكال اخرى في الاحتجاج على غرار قطع الطريق وحرق العجلات المطاطية والتهديد بوقف العمل ومسيرة نحو العاصمة ويوم غضب.
ويبقى الشارع الوجهة الأساسية التي يقصدها الفاعل الاجتماعي للتعبير عن مطالبه، حيث لا يزال هذا الفضاء متاحاً نسبيا للتحرك والتظاهر السلمي وتجدر الإشارة إلى أن هذا الهامش محكوماً بنسبية تتفاوت درجاتها جغرافياً وقطاعيا وأن المخاوف من الملاحقات القضائية كنتيجة للتظاهر لا زالت قائمة.