أيّدت الدائرة الجناحية عدد 36 المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بمحكمة الاستئناف بتونس الحكم الابتدائي القاضي بسجن رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي مدة ثلاثة أعوام، مع تسليط خطية مالية عليه، في القضية المتعلقة بتبرّعه بكامل قيمة جائزة دولية لفائدة الهلال الأحمر التونسي.
وكانت الدائرة الجناحية السادسة مكرر بالمحكمة الابتدائية بتونس قد قضت بسجن الغنوشي من أجل تهم تتعلق بالحصول على تمويل مباشر أو غير مباشر صادر عن جهة أجنبية، في علاقة بتسليم قيمة جائزة دولية إلى الهلال الأحمر التونسي.
وأصبح الحكم الاستئنافي بذلك مؤيدًا للعقوبة السجنية الصادرة ابتدائيًا، رغم تمسك هيئة الدفاع بجملة من الدفوع المتعلقة بسقوط الدعوى بمرور الزمن، وبطلان إجراءات التتبع، وحرمان الدفاع من المرافعة، وانتفاء أي منفعة شخصية أو قصد إجرامي.
وفي هذا الإطار، طالب مرصد الحرية لتونس بإسقاط العقوبة السجنية في هذه القضية، لعدم تناسبها مع طبيعة الواقعة وغياب أي إثراء شخصي أو ضرر مالي او قصد اجرامي مع الإفراج الفوري عن راشد الغنوشي، بالنظر إلى سنه المتقدم ووضعه الصحي ومواصلة النظر في جميع القضايا المتعلقة به بحالة سراح، مع ضمان حضوره وممارسته الكاملة لحقوق الدفاع.
كما طالب بإيقاف القضايا الكيدية والتتبعات التي تستهدف السياسيين المعارضين والنشطاء والحقوقيين بهدف التنكيل بهم واستنزافهم وإقصائهم من المجال العام ووقف توظيف قوانين الصرف والتمويل الأجنبي في ملاحقة التبرعات الإنسانية والمبادرات الخيرية غير الربحية مشددا على ضرورة التمييز قانونيًا وقضائيًا بين التمويل السياسي الأجنبي وبين الجوائز والتبرعات الشخصية الموجهة إلى منظمات إنسانية وطنية.
ودعا الى الكف عن فرض عقوبات سالبة للحرية في المخالفات الإدارية أو الصرفية التي لا تتضمن اختلاسًا أو إثراء غير مشروع أو قصدًا إجراميًا ثابتًا وحماية العمل الخيري والمدني من التأويلات الجزائية التعسفية، وضمان حق الجمعيات في ممارسة أنشطتها وتلقي التبرعات في إطار قواعد واضحة وشفافة.
تعود وقائع القضية إلى 7 نوفمبر 2016، حين تحصل راشد الغنوشي على جائزة «Jamnalal Bajaj» الهندية، وهي جائزة دولية تمنح لشخصيات تقديرًا لجهودها في نشر قيم السلام والتسامح ومبادئ غاندي.
وبلغت قيمة الجائزة أكثر من 14 ألف دولار، غير أن الغنوشي لم يحتفظ بالمبلغ وتبرع بكامل قيمته لفائدة الهلال الأحمر التونسي، بهدف دعم أنشطته الإنسانية والخيرية والإغاثية. وتمت عملية التبرع بصورة علنية خلال حفل حضره ممثلون عن الهلال الأحمر التونسي وشخصيات رسمية وسياسية، كما حظيت بتغطية إعلامية.
وأعيد فتح الملف بعد سنوات ضمن أعمال تدقيق شملت المعاملات المالية لعدد من أعضاء مجلس نواب الشعب للفترة النيابية 2019–2024، رغم أن واقعة الحصول على الجائزة والتبرع بقيمتها تعود إلى سنة 2016، أي قبل الفترة الزمنية محل التدقيق وقبل تولي الغنوشي رئاسة البرلمان.
وجرى التعامل مع تسليم قيمة الجائزة إلى الهلال الأحمر التونسي باعتباره عملية تمويل أجنبي أو جلبًا لوسيلة دفع من الخارج من دون احترام الإجراءات القانونية والترتيبية المنظمة للصرف.
وتمسكت هيئة الدفاع بسقوط الدعوى بمرور الزمن، باعتبار أن الواقعة تعود إلى 7 نوفمبر 2016، وأن التتبع أثير بعد انقضاء الآجال القانونية المقررة، إلا أن النيابة واصلت التمسك بالتتبع ولم تستجب المحكمة لهذا الدفع.
كما دفعت الهيئة ببطلان محاضر التتبع، معتبرة أنها شابتها إخلالات جوهرية تمس سلامة الإجراءات وتترتب عنها بطلان الأعمال التي تأسست عليها الإحالة والمحاكمة.
وانتقد الدفاع ظروف صدور الحكم الابتدائي، مؤكدًا أن المحكمة أصدرت حكمها منذ الجلسة الأولى، من دون استنطاق راشد الغنوشي في أصل الوقائع، ومن دون سماع مرافعات المحامين أو تمكينهم من أجل كاف للاطلاع على الملف وإعداد وسائل الدفاع.
ويعتبر الدفاع أن إصدار الحكم على هذا النحو حرم المتهم من حقه في المشاركة الفعلية في محاكمته، ومن حقه في مناقشة الأدلة والرد على التهم الموجهة إليه، و أخل بمبدأ المواجهة وتكافؤ وسائل الدفاع.
كما تمسكت الهيئة بانتفاء المنفعة الشخصية، إذ لم يحتفظ الغنوشي بقيمة الجائزة ولم يحولها إلى حسابه أو يستعملها لفائدة شخصية أو حزبية، وإنما تبرع بكامل المبلغ لفائدة منظمة إنسانية وطنية.
وأكد الدفاع أن علنية العملية وحضور ممثلين عن الهلال الأحمر وشخصيات رسمية وسياسية، إلى جانب التغطية الإعلامية التي رافقتها، تنفي وجود محاولة لإخفاء المبلغ أو التهرب من الرقابة أو تنفيذ عملية مالية سرية.
كما أشار إلى أن المبلغ لم يوجه إلى حزب سياسي أو جهة خاصة أو مؤسسة مرتبطة بالغنوشي، بل خُصص لأنشطة الهلال الأحمر التونسي الإنسانية والإغاثية، بما يجعل الواقعة في جوهرها تبرعًا خيريًا غير ربحي.
واعترض الدفاع كذلك على عدم التناسب بين طبيعة الواقعة والتكييف الجزائي، معتبرًا أن التعامل مع تسليم صك الجائزة مباشرة إلى الهلال الأحمر باعتباره جلبًا لوسيلة دفع من الخارج من دون ترخيص أو عملية تمويل أجنبي لا يراعي الغاية الإنسانية للتبرع ولا انتفاء الإثراء الشخصي.
أخبار ذات صلة: