"حياة" (اسم مستعار)، إمرأة تعمل في القطاع الخاص، وهي أم لطفل يبلغ من العمر 4 سنوات، لم تستطع أن تخفي ألمها وهي تسترجع أقسى وأصعب تجربة يمكن أن تمر بها المرأة. فهي لم تتوقع أن يتحول حملها إلى مصدر خوف يهدد استقرارها المهني، ولا أن تنتهي تجربتها داخل مقر العمل بفقدان جنينها.
بصوت متقطع، تروي "حياة" تفاصيل تلك الفترة التي لا تزال آثارها النفسية ترافقها إلى اليوم. تقول إنها كانت قد التحقت بوظيفتها الجديدة منذ أشهر قليلة فقط، بعد تجربة سابقة انتهت بفقدانها عملها إثر عودتها من عطلة الأمومة، وهو ما جعلها تخشى تكرار السيناريو ذاته.
تعكس شهادة "حياة" جانبا من المعاناة الصامتة التي تعيشها بعض النساء العاملات، اللواتي يجدن أنفسهن يوميا بين مطرقة الحاجة الى العمل لضمان لقمة العيش وسندان غياب الحماية الاجتماعية وحتى الانسانية في بعض البيئات في ظل غياب ظروف عمل تراعي خصوصية المرأة الحامل لتتحول الأمومة لدى بعضهن من حق طبيعي تكفله القوانين الى عبء ثقيل تدفع ثمنه من صحتها الجسدية والنفسية.
تروي "حياة" أنها كانت في حاجة ماسة إلى هذا العمل بعد أشهر من البطالة، خاصة بعد طردها من عملها السابق إثر عودتها من عطلة الأمومة، لذلك لم يكن بإمكانها المجازفة بخسارة هذه الوظيفة في ظل ظروفها الاجتماعية الصعبة.
وبصوت متقطع، تضيف "حياة" أنه رغم رغبتها العميقة في إنجاب ذلك الطفل، ورغم إدراكها بأن القرار الذي اتخذته لم يكن بالصواب، لكن وجدت نفسها مرغمة على اختيار الإجهاض منذ اللحظة التي علمت فيها بحملها، لذلك سارعت إلى إبلاغ مشغلها بوضعها الصحي، آملة أن تجد قدرا من التفهم والمراعاة.. لكن ذلك لم يحدث.
تواصل "حياة" حديثها معنا بكثير من المرارة، كاشفة أن مشغلتها كانت امرأة، وهو ماجعلها تتوقع قدرا أكبر من التفهم والدعم حسب اعتقادها، غير أن الصدمة، وفق روايتها، كانت في أول سؤال وجه إليها وهو "ماهو مصير هذا الحمل؟"، وما إن علمت بقرارها بإنهاء حملها، لم تبد أي اعتراض أو أي تعاطف بل العكس كانت من المشجعين لها على ذلك.
معاناة "حياة" لم تتوقف عند تلك اللحظة المؤلمة بل كانت بداية لسلسة من الانتهاكات الجسدية والنفسية، حيث تفيد بأن مشغلتها لم تكتفي بعدم مراعاة وضعها الصحي والنفسي بل أمعنت لاحقا في ممارسة ضغوط متواصلة عليها، لتصر على حضورها للمكتب رغم علمها بأن حياة ستجهض في ذلك اليوم ورغم حصولها على شهادة طبية تلزمها بالراحة لمدة ثلاثة أيام.
تلخص "حياة" تجربتها المؤلمة مع الإجهاض وحلمها في الأمومة بكلمات موجعة، لم يكن أمامها خيار آخر، فقد ذهبت إلى عملها مرغمة، وهناك، خلف مكتبها، فقدت طفلها.
في الظاهر، تبدو حقوق المرأة في تونس، بما في ذلك حقها في الإنجاب، مكفولة بالنصوص القانونية، لكن في الواقع تكشف تجربة المرأة العاملة عن مفارقات عميقة، فالأمومة التي يفترض أن تكون حقا طبيعيا، قد تتحول في كثير من الأحيان إلى تحد مهني قد يهدد الاستقرار الوظيفي والأسري.
وبين ما يضمنه القانون وما يفرضه الواقع، تجد النساء أنفسهن أمام خيارات قاسية، تضع هذا الحق أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على استقرارها الوظيفي وحقها في ممارسة أمومتها.
"حامل = عبء": معادلة يفرضها بعض المشغلين
لا تزال المرأة الحامل تواجه أشكالا متعددة من التمييز الاجتماعي في بيئة العمل، تبدأ أحيانا بالتهميش الوظيفي والضغط النفسي، وقد تنتهي أحيانا بفقدان عملها بالكامل، في ظل ثقافة مجتمعية راسخة تختزل دور المرأة في الأمومة والمنزل، وتتجاهل حقوقها كعاملة مستقلة.
مجموعة "توحيدة بن الشيخ"، تم تأسيسها سنة 2012، وهي من أهم المنظمات الوطنية التي تشتغل على حقوق الإنسان وخاصة الحقوق الصحية والطبية للنساء والشباب.

هاجر ناصر، تكشف في تصريح لـ"كشف ميديا" عن واقع مقلق تعيشه النساء الحوامل يوميا في مواقع عملهن.
تقول هاجر ناصر إن كثيرا من المشغلين ينظرون إلى المرأة الحامل باعتبارها "أعلى تكلفة وأقل توفرا"، وهو تصور يفضي عمليا إلى استبعادها من بعض الوظائف أو حرمانها من الترقيات ودورات التكوين، بل قد يصل في بعض الحالات إلى رفض تشغيلها منذ البداية بمجرد اكتشاف حملها.
تضيف هاجر ناصر أن تقييم المرأة الحامل أثناء العمل يكون في كثير من الأحيان غير موضوعي ومبنيًا على التمييز، وقد يتجاوز ذلك إلى ممارسات جارحة ما يدفعها إلى الشعور بالذنب والتقصير في أداء مهامها.
ولا تتوقف الإشكاليات عند حدود الحمل، إذ تمتد الى ما بعد الولادة، حيث أن كثيرات يتعرضن لتخفيض في الرتبة أو تغيير في المنصب دون سابق إعلام، وفي عديد الحالات، لا يتم تجديد عقود العمل أو تدفع العاملة بشكل غير مباشر إلى تقديم استقالتها.
"جبهة المساواة وحقوق النساء"، هي شبكة تونسية، تم الإعلان عن تأسيسها في أفريل 2023، وهي تضم مجموعة من الجمعيات النسوية المستقلة والجمعيات الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة.
ومايضاعف المعاناة، بحسب هاجر ناصر، أن الكثير من النساء في هذه الحالات لايلجأن إلى القضاء، إما بسبب غياب الدراية بالنصوص القانونية، أو خوفا من فقدان وظائفهن، أو خشية من وصمة قد تلاحقهن داخل سوق الشغل.
المرأة تعمل ضعف الرجل لتثبت كفاءتها
تشير هاجر ناصر الى أن دراسات عدة قد أظهرت أن المسار الوظيفي للرجل غالبا ما يشهد تطورا إيجابيا بعد الزواج، في حين يتراجع لدى المرأه عقب الزواج والإنجاب وقد يصل أحيانا الى الانقطاع عن العمل نتيجة تقسيم الأدوار المجتمعية التي تحمل المرأة العبء الأكبر في رعاية الأطفال والقيام بالأعمال المنزلية، ما يحد من حظوظها في الحصول على فرص متكافئة ومتساوية مع الرجل
وتلفت هاجر ناصر إلى أن دراسة حول التشغيل في تونس، قد كشفت أن سبعة من كل عشرة تونسيين يعتقدون أن الطفل في سن ما قبل الدراسة "يعاني" لأن والدته تعمل، وهو ما تعتبره ناصر "ترجمة حرفية للعبء الاجتماعي الذي يلقيه المجتمع على عاتق المرأة في ما يتعلق بتربية الأطفال والسهر على رعايتهم".
وبحسب هاجر ناصر، فأن المرأة تضطر في كثير من الأحيان إلى مضاعفة جهودها مقارنة بزملائها الرجال، لإثبات كفاءتها وقدرتها على تحمل مسؤولياتها المهنية وأن مكانها ليس المطبخ بل موقع العمل.
وتبلغ في تونس نسبة الالتحاق بالتعليم قبل المدرسي لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و5 سنوات 73.3 بالمائة، حيث يلتحق أكثر من 4 على 5 أطفال في المناطق الحضرية (8.3 بالمائة) بالتعليم قبل المدرسي مقابل 58 بالمائة في المناطق الريفية.
نسبة إلتحاق الأطفال بالتعليم قبل المدرسي في تونس
كل أيقونة تمثّل طفلاً واحداً من كل 100 طفل تتراوح أعمارهم بين 3 و5 سنوات · الملوّن = ملتحق
المصدر: المعهد الوطني للإحصاء — 2024
أرقام تكشف الفجوة
تعتبر هاجر ناصر أن بعض المشغلين يختزلون المرأة العاملة في معادلة اقتصادية ضيقة مرتبطة بـ"المخاطر الإنجابية" مثل إجازة الأمومة أو الغياب المتوقع، بدل النظر إليها كعاملة لها حقوق كاملة.
وتعكس إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء لسنة 2024 حجم هذه الفجوة، إذ لا يتجاوز معدل تشغيل الإناث 25.3 بالمائة مقابل 55.1 بالمائة لدى الذكور، كما تبلغ نسبة بطالة النساء 24.6 بالمائة مقارنة بـ13.1 بالمائة لدى الرجال.
كما تبلغ نسبة البطالة لدى النساء الجامعيات 23 بالمائة مقابل 9 بالمائة لدى الرجال، أي أكثر من من ضعف معدل الرجال، وهو رقم يطرح تساؤلات جدية حول السياسات المعتمدة من الدولة لدعم إدماج المرأة في سوق الشغل.
وفي هذا الإطار، تؤكد هاجر ناصر على ضرورة العمل على تفكيك الصورة النمطية لتغيير العقليات بما يرسخ مبدأ المساواة المهنية ويضمن تكافؤ الفرص بين النساء والرجال، وذلك عبر إعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة ولاسيما فيما يخص إجازة الأبوة وتحميل الرجل المسؤولية في الرعاية ما بعد الإنجاب الى جانب تأطير المشغلين وتعزيز ولوج النساء للعدالة من خلال تنفيذ النصوص القانونية.
القانون يحمي.. والواقع يعاقب
قصة "حياة" لم تكن استثناء، بل هي واحدة من شهادات كثيرة، فـ "أسماء"، مثلها، تحمل الجرح ذاته بتفاصيل مختلفة.
"أسماء" (اسم مستعار)، موظفة في القطاع الخاص، وأم لطفل يبلغ من العمر ستة سنوات، تروي في حديثها مع "كشف ميديا" أنها اضطرت لإنهاء حملها ثلاث مرات، لا عن قناعة، بل عن خوف.
تزوجت أسماء وهي تحمل حلما بسيطا، حياة عائلية وأطفال يملؤون البيت بالحياة، غير أن حملها الأول كان بداية مسار مؤلم ومعاناة لم تتوقعها، فبالرغم من أن القانون في تونس يضمن للمرأة العاملة إجازة أمومة مدفوعة الأجر، لكن أسماء حرمت من راتبها خلال تلك الفترة بتعلة أن المؤسسة تمر بظروف اقتصادية صعبة.
في الظاهر، تبدو المنظومة التشريعية في تونس صارمة في حماية المرأة العاملة، حيث تكفل مجلة الشغل للمرأة الحامل جملة من الحقوق، من بينها إجازة أمومة مدفوعة الأجر، والحماية من الطرد بسبب الحمل أو الولادة، غير أنّ الواقع داخل مواقع العمل يكشف في كثير من الأحيان عن فجوة واضحة بين النص القانوني والتطبيق الفعلي.
وتتوزع القوانين المنظمة لعطلة الأمومة في تونس لعدة نصوص، على غرار القانون رقم 112 لسنة 1983 المتعلق بضبط "القانون العام لأعوان الدولة والجماعات العمومية المحلية والمؤسسات العمومية"، و"مجلة الشغل" الصادرة سنة 1966، والقانون رقم 65 لسنة 1996 المتعلق بتنظيم أنظمة الضمان الاجتماعي.
و ينص الفصل 48 من القانون عدد 112 لسنة 1983 على أنه "تنتفع الموظفات بعد الإدلاء بشهادة طبية بعطلة ولادة مدتها شهران مع استحقاق كامل المرتب و يمكن الجمع بين هذه العطلة و عطلة الاستراحة . و في نهاية هذه العطلة يمكن أن تمنح الموظفات بطلب منهن عطلة أمومة لمدة لا تتجاوز أربعة أشهر مع استحقاق نصف المرتب و ذلك لتمكينهن من تربية أطفالهن و تمنح هذه العطل مباشرة من طرف رئيس الإدارة “.
كما يكفل الفصل 20 من مجلة الشغل للمرأة الحامل الحق في عطلة أمومة تمتد إلى ثلاثين يوما، قابلة للتمديد بـ15 يوماً في كل مرة تدلي فيها بشهادة طبية، حيث ينص الفصل 20 من مجلة الشغل "في صورة ما إذا امتد تغيب المرأة الناتج عن مرض يثبت ببطاقة طبية انه ناتج عن العمل أو الولادة ويجعل المرأة عاجزة عن استئناف نشاطها إلى مابعد الأجل المضبوط بالفصل 64 من هذه المجلة بدون أن يفوق ذلك التغيب اثني عشر أسبوعا لا يجوز للمؤجر أن يفصل المرأة على العمل أثناء هذا التغيب". وفي صورة تعمد المؤجر طرد المرأة العاملة فيحق لها المطالبة بغرامة تعويضية.
في 31 جويلية 2024، صادق البرلمان التونسي على مشروع قانون يتعلق بتنظيم عطل الأمومة والأبوّة في الوظيفة العمومية وفي القطاع العام والقطاع الخاص، ليصدر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية بتاريخ 12 أوت 2024.
ويتضمّن القانون الجديد إحداث عطلة ما قبل الولادة لمدّة 15 يوما كحدّ أقصى خلال الشهر الأخير من مدّة الحمل وانتفاع الأم بعطلة ولادة مدتها 3 أشهر وترفع وجوبا إلى 4 أشهر في صورة ولادة توأم أو أكثر أو إذا كان المولود حاملا لإعاقة أو خديجا أو حاملا لتشوهات خلقيّة، وإحداث عطلة ولادة لفائدة الأم التي وضعت طفلا ميّتا مدّتها شهر.
كما ينصّ القانون على الترفيع في عطلة الأبوة إلى 7 أيّام وتُرفع إلى 10 أيام في صورة ولادة توأم أو أكثر أو طفل حامل لإعاقة أو مولود خديج أو حامل لتشوهات خلقية و3 أيام في حالة ولادة الأم لمولود ميّت، إلى جانب سحب عطلة ما بعد الولادة على القطاع الخاص والترفيع في راحة الرضاعة لمدّة تسعة أشهر.
عطلة الأمومة: القانون القديم مقابل القانون الجديد
مقارنة مباشرة بنداً بند بين النصوص السابقة والقانون الذي صادق عليه البرلمان في 31 جويلية 2024 وصدر بالرائد الرسمي في 12 أوت 2024
المصدر: القانون عدد 112 لسنة 1983، مجلة الشغل 1966، والقانون الجديد الصادر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية بتاريخ 12 أوت 2024
وتجدر الإشارة إلى أنّ القانون الجديد ينطبق على جميع أعوان الوظيفة العمومية والقطاع العام والقطاع الخاص المنخرطين لدى الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية و الأجراء وغير الأجراء بالقطاع الخاص المنخرطين و المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
حملت "أسماء" ثلاث مرات أخرى بعد إنجابها لطفلها الأول، لكنها في كل مرة، كانت تجد نفسها أمام ذات المعادلة إما الحمل أو العمل.
كانت مجبرة في المرات الثلاث على الإجهاض، مؤكدة أن ما يؤلمها أكثر ليس القرار في حد ذاته، بل أنها اضطرت إليه من أجل البقاء في عملها لتوفير حاجيات ابنها الأول.
لكن في المقابل، تؤكد "أسماء" ندمها الشديد، رغم دعم زوجها لها لا لأنه يريد ذلك بل لأن ظروفهما المادية لم تكن تتيح لهما ترف الاختيار، فراتبه لا يكفي ليغطي كافة المصاريف الحياتية.
الإجهاض حق والتخلي عن العمل ليس خيارا
تؤكد هاجر ناصر، عضوة جبهة المساواة وحقوق النساء وأمينة مال مجموعة توحيدة بالشيخ، أن حق المرأة في الإجهاض يعد حقا أساسيا من حقوقها على غرار الحق في الصحة والتعليم والعمل.
وتشير الى أن الكثيرات لا يلجأن إلى هذا الخيار هربا من ضغوط العمل وحسب، بل أن العديد منهن يضطررن الى ترك العمل اختيارا أو اضطرارا من أجل التفرغ للرعاية الأسرية، معتبرة أن هذا الواقع "يعكس عمق الأزمة أكثر مما يعبر عن خيار حر"، وفق تعبيرها.
وفي هذا السياق، تبرز تونس استثناء في المنطقة العربية والإسلامية، إذ كانت أول دولة تشرع الإجهاض منذ عام 1973، حين أقرّ القانون التونسي للمرأة حق الإجهاض الطوعي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، بغض النظر عن وضعها العائلي سواء أكانت متزوجة أم عزباء وفقا لما يضبطه الفصل 214 من المجلة الجزائية. بل ويذهب القانون إلى أبعد من ذلك، إذ توفر هذه الخدمة مجانا في المستشفيات ومراكز صحية حكومية ضمن برنامج التنظيم العائلي.
واعترافا بهذا التقدم، جددت منظمة الصحة العالمية ثقتها في مركز التدريب الدولي والبحث في الصحة الإنجابية والسكان التابع للديوان الوطني للأسرة والعمران البشري، باختياره، ولمرحلة رابعة، مركزاً متعاوناً معها في مجالات الصحة الإنجابية والسكان، وذلك للفترة الممتدة من جويلية 2021 إلى جويلية 2025، وهو اعتراف دولي بمسار تونس التشريعي في الصحة الإنجابية.
غير أن هذا التقدم التشريعي لا يخفي المفارقة الصعبة، بين ما يكفله القانون التونسي للمرأة وما تعيشه يوميا داخل مقرات العمل من واقع يعاقبها على الحمل.
مجتمع بملامح متغيرة و شبح الشيخوخة يهدد تونس
شهدت تونس خلال السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في معدل النمو الديمغرافي، وهو ما يرتبط أساسًا بانخفاض عدد الولادات مقارنة بالفترة السابقة، حيث تشير معطيات سجلات الحالة المدنية إلى تراجع مستمر في عدد المواليد انطلق منذ سنة 2015، حيث تم تسجيل أول انخفاض بين سنتي 2015 و2016 بنحو 3 آلاف ولادة، حسب احصائيات حديثة كشفها المعهد الوطني للإحصاء في تعداد 2024.
وتواصل هذا المنحى التنازلي خلال الفترة الممتدة بين 2016 و2019، بمعدل انخفاض سنوي قدر بحوالي 7800 ولادة، قبل أن يشهد عدد المواليد تراجعًا حادًا بين سنتي 2019 و2020 بلغ أكثر من 21 ألف ولادة، ليستمر هذا المنحى التنازلي خلال الفترة 2020 و2024 بمعدل سنوي يناهز 13 ألف ولادة، وفق المعطيات ذاتها.
تراجع نسب الولادات في تونس
اضغط على كل محطة لاكتشاف تفاصيلها · مسار تراجع عدد المواليد منذ 2015
→
2016
تسجيل أول انخفاض في عدد المواليد بنحو 3 آلاف ولادة بين سنتي 2015 و2016.
في سنة واحدة
→
2019
تواصل المنحى التنازلي بمعدل انخفاض سنوي قُدِّر بحوالي 7800 ولادة خلال الفترة الممتدة بين 2016 و2019.
في المتوسط سنوياً
→
2020
شهد عدد المواليد تراجعاً حاداً بين سنتي 2019 و2020 بلغ أكثر من 21 ألف ولادة.
في سنة واحدة فقط
→
2024
استمر المنحى التنازلي خلال الفترة 2020 و2024 بمعدل سنوي يناهز 13 ألف ولادة.
في المتوسط سنوياً
انخفض مؤشر الخصوبة إلى 1.7 طفل لكل امرأة، وهي نسبة أقل من المعدل المطلوب للحفاظ على تجديد الأجيال البالغ 2.1 لكل امرأة، مما أدى إلى تقلص واضح في قاعدة الهرم السكاني، إذ لا تتجاوز نسبة الأطفال من الفئة العمرية 0-4 سنوات 5.9% سنة 2024 مقابل 8.9% سنة 2014 و16% سنة 1975.
المصدر: المعهد الوطني للإحصاء · تعداد 2024
وأظهرت نفس الأرقام تراجعا في مؤشر الخصوبة الى1.7 بالمائة، وهي نسبة أقل من المعدل المطلوب للحفاظ على تجديد الأجيال البالغ 2.1 بالمائة لكل إمرأة، مما أدى الى تقلص واضح في قاعدة الهرم السكاني، إذ لا تتجاوز نسبة الأطفال من الفئة العمرية 0-4 سنوات، 5.9 بالمائة سنة 2024 مقابل 8.9 بالمائة سنة 2014، و 16 بالمائة سنة 1975.
وتتجلى تداعيات هذا الواقع بوضوح في تركيبة المجتمع التونسي الذي يتجه شيئا فشيئا نحو التهرم السكاني، إذ قفز مؤشر الشيخوخة من 13.3 بالمائة سنة 1975 إلى 49.2 بالمائة سنة 2014، ليبلغ 73.9 بالمائة سنة 2024.
ولا تقل أرقام الأسرة دلالة، فقد وصل عدد الأسر إلى 3472.2 ألف أسرة بمتوسط حجم لا يتجاوز 3.45 فرد، في تراجع لافت مقارنة بـ5.5 أشخاص سنة 1975، أي أن الأسرة التونسية فقدت خلال خمسة عقود ما يقارب شخصين من تركيبتها.
شبح الشيخوخة يهدد تونس
اضغط على السنة لمشاهدة كيف تحوّل مؤشر الشيخوخة عبر الزمن
المصدر: المعهد الوطني للإحصاء · تعداد 2024

وفي هذا الإطار، يفيد الخبير في قضايا السكان والتنمية أحمد عبد الناظر في تصريح لكشف ميديا، بأن تراجع معدل الخصوبة في تونس كان متوقعا وهو مسار تمر به مختلف المجتمعات في العالم، مرتبط بالتحول الديمغرافي.
وأشار عبد الناظر الى أن برنامج التنظيم العائلي في تونس والذي انطلق سنة 1966، كان له تأثير على الخصوبة والولادات رغم أنه كان اختياري، حيث أصبح هناك تدخلا وأصبح هناك خيارا للعائلات، ومع تقدم التكنولوجيا والطب أصبح أمل الحياة عند الولادة أطول، وقد نتج عن هذا المسار تراجع في معدل الخصوبة مع تراجع في مستوى الولادات والوفيات مقابل ارتفاع معدل أمل الحياة عند الولادة وهو ما يعبر عنه اصطلاحا بشيخوخة المجتمع وهو مسار طبيعي لمختلف المجتمعات، وفق قوله.
ويعتبر عبد الناظر أن تونس من بين الدول العربية التي قد تقدمت في هذا المجال على غرار المغرب ولبنان مبينا أن تونس ليست مهددة بالتهرم السكاني بقدر ما هو مسار طبيعي مرت به عديد المجتمعات الأخرى وتونس اليوم في هذا المسار.
وبين عبد الناظر أن نسبة السكان من فئة الـ60 سنة فما فوق ستصل سنة 2030 إلى حوالي 18 بالمائة وستشهد تطور سنة 2040 الى حوالي 20 بالمائة ومع تواصل تراجع عدد الولادات التي أصبحت مرتبطة باختيارات التونسيين وقدرتهم المعيشية وظروف العيش، سيواصل هذا الرقم نسقه التصاعدي
ويشير عبد الناظر، الى أن هناك متغيرات وعوامل ساهمت في تغيير هذا الوضع حيث كان في السابق عدد الولادات مرتبط بالمستوى الاقتصادي والتعليمي والحضري للأسرة، وهذه المتغيرات كانت المتسببة في الفوراق في نسب الخصوبة بين الأسر، لكن هذه القاعدة لم تعد صالحة اليوم حيث أصبحت العائلات بمختلف مستوياتها، لا تنجب الكثير من الأطفال وهو مايؤكد أن مستوى الخصوبة اليوم في تونس أصبح خيارا أسري وشخصي ونمط عيش للتونسيين.
وحسب المؤشر الإجمالي للخصوبة (عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة طوال حياتها الانجابية) تأتي تونس في مستوى أقل من مستوى تجدد الأجيال، حيث أصبحت المرأة التونسية تنجب أقل من 2 طفل، مما ينتج عنه ارتفاع في الشيخوخة مع الزمن.
ويضيف عبد الناظر، أن تونس تسير نحو تحول ديمغرافي لا رجعة فيه مع ارتفاع تدريجي في نسبة المسنين مقابل انخفاض نسبة الأطفال والشباب وهو ما يعرف بالتهرم السكاني، مؤكدا على ضرورة الاستعداد المبكر لهذا التحول على مستوى المؤسسات والخدمات وفي مقدمتها تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية ومراجعة الاستراتيجيات لمساعدة الأسر التونسية على رعاية مسنيها.
وفي خضم هذا الواقع، تطرح قصص نساء مثل "حياة" و "أسماء" تساؤلات أوسع حول مدى قدرة بيئات العمل في تونس على احترام الحقوق الإنجابية للنساء، وحول الثمن النفسي والاجتماعي الذي قد تدفعه بعضهن مقابل الحفاظ على وظائفهن.
وبين نصوص قانونية تضمن الحقوق وواقع مهني يعاقب على الحمل، تواصل الشيخوخة السكانية دق أجراسها مع تواصل تراجع نسب الخصوبة، ليبقى السؤال معلّقا "كيف ستواجه تونس بعد سنوات هذا التهرم السكاني وسط واقع يعاقب المرأة على حملها.
تقول حياة بصوت هادئ:



