خمسة عشر فرخا فقط، هذا كل ما كانت تملكه وئام عام 2013، لم يكن لديها مايغطي النفقات الاساسية، ولا مشروع جاهز، ولا أي ضمانات بأن خطوتها الأولى ستقودها إلى النجاح، واليوم، بعد سنوات، تحوّل ذلك العدد المحدود إلى مشروع تربي من خلاله نحو 12 ألف فرخ دجاج شهريا. فكيف قطعت وئام المسافة بين الرقمين؟ وما الصعوبات التي واجهتها في رحلتها؟
أرابط بجانبهم لساعات لا تنتهي، يومي يبدأ منذ حوالي الرابعة صباحا ولا ينتهي إلا في آخر النهار فهم ببساطة أطفالي
وعاء القمح في يدها وبخطى ثابتة، تتجه وئام الزيادي، 36 سنة، فلاحة شابة، من منطقة بوليدين بمعتمدية قربة في ولاية نابل، نحو قن الدجاج لإطعام فراخها كل يوم مع حدود الساعة الرابعة صباحا، خطوات اعتادتها منذ سنوات، لم تثنها عنها صعوبة الحياة ولا قسوة الظروف. توزع وئام الطعام بعناية، وتتفقد أوعية الماء، وتراقب حركة فراخها ونشاطها لتطمئن على سلامتها، في تفاصيل يومية تحولت إلى جزء من حياتها.
بشغف لا يخفيه صوتها، تحدثنا “وئام” عن رحلتها مع تربية الدجاج التي لم تبدأ بقرض ولابدعم، بل بعشرين دينارا لا غير، لتقتحم عالم الفلاحة وتحوّل مدخراتها الزهيدة إلى مشروع ذاتي فتح أمامها وأمام غيرها من النساء الأخريات آفاقا جديدة لم تكن في الحسبان.
تشير وئام الى أن البداية كانت مع 15 فرخا (جيون Géant)، اشترتها من السوق لتربيتها في منزلها للاستهلاك العائلي، دون أن تكون لديها أي نيّة في بعث مشروع أو تحويل هذه التجربة البسيطة إلى نشاط تجاري. لكن سرعان ما تحولت إلى شغف ورغبة في التوسع خاصة بعد أن اكتشفت خصائص هذه الفراخ وقدرتها على التأقلم مع ظروف التربية، ما شجعها على تحويل تجربتها المنزلية إلى مشروع فلاحي خاص.
كانت تقتني فراخ الدجاج من سيدة تعرفها، تتولى رعايتها وإطعامها لمدة تتراوح بين ثلاثة أسابيع والشهر ثم تقوم ببيعها. ورغم محدودية المرابيح في البداية، لم تجعل وئام من ذلك عائقا أمام رغبتها في مواصلة التجربة، بل كانت تتكفل بنفسها بتوصيل الدجاج إلى الزبائن، حتى وإن كانت الكمية لا تتجاوز فرختين أو ثلاثا في بعض الأحيان.
لم يكن الأمر سهلا، لكنني لم أفكر يوما في التوقف.
وفي تفاصيل يومها، تروي وئام أن يومها يمضي بين القن والفراخ لساعات طويلة، تتولى خلالها تنظيف القن والأوعية وتعقيمها بعناية، ثم تجدد الماء والعلف، الى جانب متابعة حالة الفراخ.
لم تقتصر تجربة وئام على تربية فراخ الدجاج، بل سعت إلى تنويع نشاطها، فوسعت مشروعها تدريجيا ليشمل بيع البيض والديك الرومي، كما خاضت تجربة صغيرة في تربية الأبقار وصناعة الأجبان أتاحت لها الفرصة للتعرف على مجال آخر في عالم الفلاحة غير أن طبيعة المنطقة من نقص المراعي، وارتفاع تكلفة الأعلاف والتوصيل، دفعاها إلى التخلي عن هذا المشروع والعودة إلى التركيز على مشروعها الأساسي، لتواصل العمل على تطويره وتوسيع آفاقه.
تربية الدواجن في تونس.. من النشاط العائلي إلى قطاع اقتصادي استراتيجي
يروي الخبير في الشأن الفلاحي أنيس بن ريانة تاريخ قطاع تربية الدواجن في تونس، مستعرضا مراحل تحوله من نشاط عائلي بسيط، إلى قطاع اقتصادي منظم بات اليوم العمود الفقري للبروتين الحيواني في البلاد.
يقول بن ريانة، إنه قبل سنوات الستينات، كانت تربية الدواجن نشاط عائلي بحت، ولم تكن العائلات تعتمد على الأعلاف المصنعة ولا يوجد مهندسين مختصين في تربية الحيوانات ولا أطباء بيطريين ولا منظومة منظمة لهذا القطاع.
ويضيف الخبير أن أواخر الستينات شهدت بداية التحول نحو تربية الدواجن الصناعية الحديثة في تونس، مع اعتماد أساليب متطورة في التربية والتفريخ وإنتاج الأعلاف، وصولا إلى تنظيم عمليات الذبح والتوزيع، وفي الثمانينات، انتقل القطاع من مرحلة المهنة إلى مرحلة الصناعة، مع ظهور الديك الرومي والمسالخ الصناعية، ليتحول هذا النشاط إلى قطاع اقتصادي فاعل. ثم جاءت التسعينات لتشهد تدخل الدولة لتنظيم هذا القطاع، من خلال تأسيس المجمع المهني المشترك لمنتجات الدواجن والأرانب، وكان الهدف منه خلق التوازن في السوق وحماية المستهلك وتنظيم المهنة.
ويؤكد الخبير أن قطاع الدواجن بات اليوم يمثل العمود الفقري للبروتين الحيواني في تونس، إذ يستحوذ على أكثر من نصف استهلاك اللحوم، في مسار يعكس حجم التحول الذي شهده هذا القطاع عبر عقود.
وحسب ديوان تربية الماشية والمراعي، فقد تتطوّر إنتاج لحم الدجاج في تونس من 112.8 ألف طن سنة 2010، الى 131.50 ألف طن سنة 2020 ثم الى 147.6 ألف طن سنة 2024، أي بمعدل 12.3 ألف طن شهريا.
تطور إنتاج لحم الدجاج في تونس
بالألف طن
المصدر: ديوان تربية الماشية والمراعي
من حريفة إلى صاحبة مشروع
وئام لم تكتف بنجاحها، بل اختارت أن تمد يدها إلى أخريات وتساعدهن على بناء مشاريعهن الخاصة. نسرين بالحاج، زبونة صارت صاحبة مشروع، بدأت رحلتها مع تربية الدجاج من لقاء لم يكن مقصودا.. ليتحوّل إلى نقطة انطلاق نحو عالم لم تكن تتخيّل يوما أنها ستخوض غماره. اليوم، تستعيد نسرين تفاصيل تلك البداية
نسرين بالحاج، أم لأربعة أطفال، تبلغ من العمر 38 عاما، وأصيلة مدينة قربة من ولاية نابل، لم تكن تتوقع أن لقاء عابرا سيأخذها إلى بداية جديدة، وأن حديثا بسيطا سيضعها على طريق مشروع لم يكن يوما ضمن مخططاتها.
التقيت بوئام صدفة في أحد اجتماعات مندوبية الفلاحة، ومن هناك بدأت الحكاية.
تشير نسرين الى أن وئام حدثتها عن مشروعها، واقترحت عليها أن تبدأ هي الأخرى بتربية الدجاج، مؤكدة أنها ستتولى تمويلها بالفراخ، لتكون تلك نقطة الانطلاق.
لم تتردد نسرين طويلا، فكانت البداية بألف فرخة، تكفل زوجها بدفع المبلغ المطلوب ووقف إلى جانبها سندا في خطوتها الأولى مشجعا إياها على بعث مشروعها لا سيما أنه فلاح ويملك الخبرة الكافية، أما وئام فأرادت أن تخفف عنها ثقل الانطلاقة، فوافقت على أن يكون تسديد المبلغ على أقساط.
تكشف نسرين أن تربية الدجاج ليست مهنة لها أوقات محددة، فالفراخ تحتاج اهتماما متواصلا لا يعرف الراحة، خاصة في ظل موجات الحر التي شهدتها تونس خلال صائفة 2026، لتجد نفسها مضطرة لتبريدهم وتجديد الماء والعلف في أي لحظة من النهار.
لا يوجد وقت محدد، في أي لحظة يجب أن تكوني حاضرة لتبريدهم وتقديم الماء والعلف… وأي تقصير يمكن أن يكلف الكثير.
لكن الحرارة لم تكن رحيمة، إذ تؤكد نسرين أنها خسرت عددا من فراخها مع اشتداد درجات الحرارة خاصة خلال شهري جويلية وأوت 2026. كانت الخسارة موجعة بالنسبة لها، خصوصا أن المشروع انطلق في شهر جوان من ذات السنة ولا يزال في بداياته، ورغم ذلك، تؤكد نسرين تمسكها بمشروعها وعزمها على مواصلة التجربة دون تراجع.
أعشق الفلاحة منذ صغري فأنا إبنة فلاح وزوجة فلاح
تؤكد لنا نسرين في حديثها معنا، أن شغفها بالفلاحة منذ صغرها وإصرارها على النجاح يجعلانها تتطلع وتطمح لتطوير وتكبير مشروعها يوما بعد يوم.
وفي هذه الرحلة، لا تسير نسرين وحدها، فزوجها وأبناؤها يتقاسمون معها تفاصيل المشروع يوما بيوم. يقف الزوج إلى جانبها داخل القن، يشاركها العناية بالفراخ والاهتمام بها محاولا أن يخفف عنها التعب، بينما تتولى ابنتها الكبرى، وهي في الثالثة عشرة من عمرها، رعاية إخوتها الصغار حتى تتفرغ والدتها لعملها. وفي أوقات الفراغ تجتمع العائلة كلها في القن للعناية بالفراخ والوقوف صفا واحدا خلف نسرين ومشروعها.. ليتحول بذلك حلم الأم إلى مشروع الجميع، يتقاسمون تفاصيله وتعبه وأمل نجاحه.
من يحمل المشروع؟
اضغط على كل دائرة لمعرفة دورها
نسرين بالحاج
أم لأربعة أطفال، تبلغ من العمر 38 عاما، وأصيلة مدينة قربة من ولاية نابل.
في هذه الرحلة، لا تسير نسرين وحدها، فزوجها وأبناؤها يتقاسمون معها تفاصيل المشروع يوما بيوم.
الزوج
تكفل زوجها بدفع المبلغ المطلوب ووقف إلى جانبها سندا في خطوتها الأولى مشجعا إياها على بعث مشروعها لا سيما أنه فلاح ويملك الخبرة الكافية.
يقف الزوج إلى جانبها داخل القن، يشاركها العناية بالفراخ والاهتمام بها محاولا أن يخفف عنها التعب.
الابنة الكبرى
تتولى ابنتها الكبرى، وهي في الثالثة عشرة من عمرها، رعاية إخوتها الصغار حتى تتفرغ والدتها لعملها.
وئام الزيادي
حدثتها عن مشروعها، واقترحت عليها أن تبدأ هي الأخرى بتربية الدجاج، مؤكدة أنها ستتولى تمويلها بالفراخ.
أرادت أن تخفف عنها ثقل الانطلاقة، فوافقت على أن يكون تسديد المبلغ على أقساط.
العائلة كلها
في أوقات الفراغ تجتمع العائلة كلها في القن للعناية بالفراخ والوقوف صفا واحدا خلف نسرين ومشروعها.. ليتحول بذلك حلم الأم إلى مشروع الجميع، يتقاسمون تفاصيله وتعبه وأمل نجاحه.
لا تقتصر قصتا وئام ونسرين على تربية الدجاج، فهما تؤكدان أن التغيير قد يبدأ من أبسط الأماكن، قن صغير في منطقة بوليدين، أو لقاء عابر في مندوبية الفلاحة، لكن حين تتوفر الرغبة قد يتحول ذلك المكان الصغير الى مشاريع تغير حياة أصحابها ومن حولهم.
لم تتوقف قصة وئام عندها، بل امتد أثرها إلى نسرين، التي استفادت من خبرتها ودعمها لتدخل بدورها عالم تربية الدجاج وتشق طريقها في عالم الفلاحة.
واليوم، تواصل وئام تطوير مسارها الذي أطلقته منذ سنوات، فيما تخوض نسرين معركتها الخاصة لتثبيت أقدام مشروعها وتجاوز عقبات الانطلاقة. وفي هذين النموذجين تجسيد حي لقيمة التضامن وتناقل الخبرات في تمكين النساء من دخول قطاعات إنتاجية واعدة، رغم ما يفرضه الطريق من تحديات.


