فبينما باع بعضهم يوما أحلامهم، هناك أطفال آخرون كل همهم جني لقمة العيش التي وجدوها خلف حاويات القمامة والمصبات، أطفال سُرقت منهم طفولتهم واستحوذ عليهم شبح الخوف من الفقر والمجتمع .
بطلت القراية باش انجم نعاون أمي ونداوي بابا
أحمد، طفل ‘برباش’
هكذا تحدث معنا الطفل أحمد، وهو يبتسم ابتسامة بريئة تخفي ورائها آلام كبيرة.
أحمد، طفل يبلغ من العمر 13 سنة، كان يتجول بين أزقة وشوارع مدينة الزهروني الواقعة في الضاحية الغربية للعاصمة وهي منطقة تبعد عن العاصمة التونسية حوالي 11 كم، هنا يقضي أحمد يومه المضني بين جمع القوارير البلاستيكية وبعض الفتات من بقايا الخضر والغلال التي يتركها الباعة خلفهم بعد نهاية السوق، ليعود بها إلى منزله لسد رمق عائلته.
يضيف أحمد، والإبتسامة لا تفارق فمه لكن من حين الى حين تتلألأ عيناه بالدموع ثم سرعان ما يخفيها، أن والده مريض منذ فترة وهو لا يستطيع العمل، في حين تقوم والدته ببيع “الطابونة”(خبز تقليدي تونسي يطهى في فرن من الطين النضيج) وتعمل في بعض الأحيان معينة منزلية لكنها لا تستطيع العمل بشكل يومي نظرا الى المواعيد الطبية لوالده فهي من تساعده على التنقل للمستشفى هكذا تحدث معنا أحمد وعيناه مشتتان تبحث عن حاوية “زبلة” أو قارورة بلاستيكية ملقاة في الشارع لكي يهرول نحوها.
مفهوم البرباشة:

البرباشة هو مصطلح غير رسمي يتم اعتماده في الدارجة التونسية ويطلق على الأشخاص الذين يبحثون في أكوام المزابل داخل المدن أو في المصبات الخاصة عن أشياء يمكن بيعها أو إعادة استعمالها، تقابلها تسميات أخرى في بعض الدول مثل “الزبالين” في مصر و”البوارة” في المغرب و “chiffonniers” في فرنسا، وفق ما أفاد به الأستاذ في التاريخ المعاصر وعضو الهيئة العلمية للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رياض بن خليفة .
وتعتبر ظاهرتي جمع النفايات وتثمينها قديمتان، لكن يبقى نسق تطورهما وانتشارهما مرتبط بتطور وتيرة الإنتاج والاستهلاك، وفق بن خليفة، الذي أشار إلى أن ظاهرة “البرباشة” لم تحظى بإهتمام المؤرخين والباحثين منذ القرن التاسع عشر لكن حسب دراسة تعود لمحمد فوزي المستغانمي تحت عنوان “بلاط باردو زمن حمودة باشا 1814-1782” كان يوجد “الخرداجي” والذي كان يهتم بشراء الأواني القديمة والخردة التي لا يتم استعمالها في مخازن القصر مقابل تقديم ‘دبوزة الروم’ وهي من المشروبات الكحولية إضافة الى توفير بعض الملابس الداخلية أو الأقمشة أو بعض المستلزمات الأخرى لأهل القصر.
وحسب دراسة أخرى قام بها ‘بول صباغ’ حول الحي القصديري ببورجل، فقد تحدث عن حوالي 600 شخص كانوا يعيشون من ‘المزابل’ و يقومون بفرز القمامة، مما أنتج دورة اقتصادية (وسطاء وتجار)، وحسب الوصف الذي قدمه ‘بول صباغ’، فقد كانوا يعيشون في وضعية هشة جدا.
ويعتبر محدثنا أن مسألة البرباشة موجودة في كل المجتمعات لكنها أصبحت ظاهرة بينة خاصة مع الاقتصاد الرأسمالي وتشجيع الاستهلاك في المجتمعات خاصة بعد ظاهرة استعمال البلاستيك وما ينتج عنه من مشاكل بيئية، معتبرا أن تدوير هذه المنتجات يساعد على نظافة البيئة من جهة وخلق دورة اقتصادية من جهة أخرى.
ودعا بن خليفة الى تنظيم هذا القطاع وتشجيعه عبر توفير الحماية لهؤلاء الأشخاص وتوعيتهم في طريقة التعامل مع النفايات حتى لا يصبحوا مصدرا لنقل الأمراض إضافة الى حمايتهم من الوسطاء وكل من يقوم باستغلال وضعياتهم لتحقيق الأرباح.
يحدثنا ‘أحمد’ عن المشاق اليومية التي يتعرض لها خلال نبشه للقمامة، حيث يفيد أنه يقضي كامل اليوم وهو يتجول بين أزقة الشوارع لجمع القوارير البلاستيكية وبقايا الخبز، ثم يقوم في آخر النهار ببيعها، فرحلته تبدأ منذ الصباح وتنتهي عند غروب الشمس.
أتعرض للتنمر من قبل أصدقائي وهذا يحزنني لكن هذا ليس بالمهم فقد تعودت الأمر
أحمد، طفل ‘برباش’
يشير ‘أحمد’ في حديثه معنا، الى أنه يخصص معظم وقته في العطلة للعمل وجمع القوارير البلاستيكية كي يتمكن من مساعدة والدته على المصاريف اليومية فليس لديه ما يكفي من الوقت للعب مع أصدقائه أو حتى التمتع بطفولته التي حرم منها، مضيفا “في بعض الأحيان أتعرض للتنمر من قبل أصدقائي وهذا يحزنني لكن هذا ليس بالمهم فقد تعودت الأمر”.
‘أحمد’ ليس الوحيد، فهو واحد من بين مئات الأطفال البرباشة الذين اضطرتهم ظروفهم القاسية لنبش القمامة للبحث عن لقمة عيش كريمة.
عدد “البرباشة” في تونس قد يصل إلى 10 آلاف شخص
تشير التقديرات الرسمية إلى أن عدد العاملين في تثمين النفايات أو ما يعرف بـ “البرباشة” قد يصل الى 10 آلاف شخص، وفق إحصائيات للوكالة الوطنية للتصرف في النفايات، مقابل 8 آلاف شخص سنة 2019.

ويساهم هؤلاء “البرباشة” في إعادة تدوير قرابة 70 ألف طن سنويا من البلاستيك وحوالي 200 ألف طن من النفايات المنزلية (تصريح إعلامي لمدير عام الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات، بدر الدين الأسمر في جانفي 2025).
وتستفيد هذه الفئة من ارتفاع إنتاج المواد البلاستيكية في تونس حيث يقع إنتاج ما يناهز 320 ألف طن سنويا لا تخضع سوى 4 بالمائة منها الى إعادة التدوير، وفق تقرير صادر عن الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة
وهو ما يضع تونس في المرتبة الـ 37 عالميا من بين 113 دولة شملها مؤشر التلوث بمعدل بلغ 70.1 وفق تقرير موقع “نومبيو-Numbeo” لعام 2025 وهو قاعدة بيانات عالمية متخصصة في جمع وتحليل المعلومات.
أرقام متضاربة:
يرى الخبير في المجال البيئي مهدي عبدلي، في معرض حديثه مع كشف ميديا، أن الأرقام التي تكشف عدد ‘البرباشة’ في تونس متضاربة، حيث تفيد وكالة التصرف في النفايات بأن هناك حوالي 10 آلاف شخصا يمارسون هذه المهنة، في حين تقدر الغرفة الوطنية لمجمعي النفايات البلاستيكية بأن عددهم يتجاوز الـ25 آلف، 77 بالمائة منهم رجال و22.9 بالمائة نساء.
رسم بياني لعدد “البرباشة” في تونس بين 2019 و2025
الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات، الغرفة الوطنية لمجمعي النفايات البلاستيكية.
أخرج من البيت منذ الساعة السادسة صباحا ولا أعود إلى المنزل إلا بعد صلاة العشاء
روائد، طفل 'برباش'
هكذا تحدث معنا الطفل "روائد" وهو يطأطئ رأسه للأسفل وملامح الحزن والتعب تغطي وجهه الشاحب.
"روائد" طفل يبلغ من العمر 12 سنة، أصيل منطقة السيجومي وهو يدرس بالسنة السادسة ابتدائي، كان يتجول في مدينة باردو وهو يجر عربته وعلى متنها أكياس كبيرة تراصت داخلها قوارير بلاستيكية يفوق طولها حجمه الصغير لكن بالكاد أن توفر له لقمة العشاء وبقية أفراد عائلته.
يحدثنا "روائد" عن يومه، قائلا "أخرج من المنزل منذ حوالي الساعة السادسة صباحا ولا أعود إليه إلا بعد صلاة العشاء وهذا الروتين اليومي في العطلة أما في أيام الدراسة، عادة ما أخرج للعمل بعد العودة من المدرسة، فأمي لا تستطيع أن تعيلنا جميعا".
ويشير "روائد" في حديثه إلينا، إلى أن الظروف القاسية هي التي دفعته الى الخروج الى العمل، فوالده في السجن ولديه 3 أشقاء جميعهم يزاولون الدراسة، أما والدته فهي تبيع الأكياس البلاستيكية أمام أحد المخابر في جهة باردو، ولا تعود الى المنزل الا مساء ببعض الدنانير لكي تسد بها رمق جوع العائلة.
كان وجهه شاحبا بعد أن أنهكته أشعة الشمس الحالكة، يسند ظهره الى عربته، "غادرت المنزل منذ الصباح وأنا أتجول بين الشوارع وأجمع القوارير.. هذا روتيني اليومي في العطلة رحلة على قدمي من السيجومي الى باردو حتى رأس الطابية ثم أعود أدراجي في المساء".

حسب بيانات للمعهد الوطني للإحصاء، بلغت نسبة الفقر في تونس 16.6 بالمائة عام 2021 مقابل 15.2 بالمائة سنة 2015 و20.5 بالمائة سنة 2010 و23.1 بالمائة سنة 2005 .
ويعيش 26 بالمائة من أطفال تونس تحت خط الفقر، وفق ما أفادنا به رئيس الجمعية التونسية لحقوق الطفل معز الشريف، مبينا أن هذه النسبة شهدت ارتفاعا حيث كانت تمثل 19 بالمائة قبل جائحة كورونا ليتطور هذا الرقم فيما بعد إلى حدود 26 بالمائة.
تطور نسبة الفقر في تونس -(2005-2021)
• 26% من أطفال تونس يعيشون تحت خط الفقر (2021)
• 19% كانت النسبة قبل جائحة كورونا
• ارتفاع بـ 7 نقاط مئوية في نسبة فقر الأطفال بعد الجائحة
المصدر: الجمعية التونسية لحقوق الطفل
وأضاف محدثنا أن هناك تفاوت في نسبة الفقر بين المناطق حيث أن الأغلبية يتواجدون في المناطق الريفية خاصة على مستوى الشريط الغربي للبلاد حيث تتجاوز نسبة الفقر لدى الأطفال في بعض القرى الـ50 بالمائة مما يولد الإحساس بالحرمان خاصة في ظل جهل العائلات وارتفاع نسبة الأمية في تونس مما يجعل من الفقر والجهل صفات وراثية لدى الأطفال.
كما أشار الى غياب مبدأ تكافئ الفرص إضافة إلى التفكك الأسري والضغط الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه الأسر التونسية قد يعرض الأطفال الى الاستغلال في ظل غياب رؤية ومشروع جدي للدولة التونسية لحماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي الذي يتعرضون له حتى من عائلاتهم.
مضيفا:
إذا وصل الأمر الى حد استغلال الأطفال من قبل عائلاتهم فهم بالتالي قد فقدوا كل آليات الحماية
وذكر معز الشريف بحادثة وفاة الطفلة فرح ذات الـ 10 سنوات، سنة 2020، إثر سقوطها في بالوعة للصرف الصحّي، أثناء جمعها للقوارير البلاستيكية مع والدتها، مبينا أن هناك معطيات تفيد بتعرض أطفال إلى حوادث أثناء نبشهم للقمامة في بعض الأحياء مما أدى الى وفاتهم في المقابل لم تتخذ الدولة اجراءات صارمة للتصدي لهذه الوضعيات فالقانون واضح وحق الطفل على والديه وعلى الدولة منصوص عليه في الدستور.
ويضيف محدثنا قائلا "كل الأطفال المتواجدين في الشوارع هم عرضة لشتى أنواع العنف والاستغلال وحتى الاستدراج سواء بالتحرش أو الاعتداءات الجنسية" متابعا "هشاشة الأطفال وتواجدهم في الشوارع هو خطر كبير يهدد المجتمع التونسي".
2 بالمائة من البرباشة في مصب برج شاكير هم أطفال قصر والفقر المتهم الرئيسي

أظهرت دراسة صدرت عن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في ماي 2025، شملت 144 برباشا، أن 77 بالمائة منهم رجال، و23 بالمائة نساء، في حين يمثل القاصرون، أي الذين تقل أعمارهم عن 17 سنة، نسبة 2.1 بالمائة وعلى الرغم من أن هذه النسبة ضئيلة إلا أنها تلقي الضوء على حقيقة أن هناك قصر يعملون برباشة رغم صغر سنهم.

تقول الباحثة وأستاذة علم الاجتماع حنان الشابي، في حديثها مع "كشف ميديا"، إن أسباب مادية واجتماعية دفعت بهؤلاء الأطفال لنبش 'الزبلة' في مصب برج شاكير بعد أن أجبرتهم الظروف الى مغادرة مقاعد الدراسة في محاولة منهم لمساعدة عائلاتهم على المصاريف اليومية.
ويعتبر مصب برج شاكير أكبر مصب للنفايات في تونس حيث يمتد على مساحة 124 هكتارا ويستوعب نفايات ولايات تونس الكبرى الأربع (تونس وبن عروس أريانة ومنوبة)، ويستقبل حوالي 3 آلاف طن من النفايات يوميا.
وتشير حنان الشابي إلى أن معظم الذين تم استجوابهم في مصب برج شاكير يشعرون بالوصم ويعيشون في إقصاء مشددة على ضرورة وضع استراتيجية وسياسات مدروسة لإنقاذ هؤلاء الأطفال.
ويتعرض هؤلاء الأطفال الى مخاطر عدة داخل المصب على غرار الانبعاثات الغازية والنفايات الطبية التي يتم التخلص منها إضافة إلى لدغات بعض الحشرات وحوادث المرور.
طفولتهم سرقت منهم بسبب الفقر والتهميش
حنان الشابي باحثة واستاذة علم الاجتماع
تستحضر لنا محدثتنا هذه القصة، وهي لشيخ ستيني، امتهن مهنة 'البرباشة' منذ أن كان عمره 12 سنة، حيث يفيد بأنه لم يعرف معنى الطفولة "ملي عمري 12 سنة قمت نلقى روحي كبرت ووليت كهل".
وتعتبر حنان الشابي أن هذه الكلمات تلخص معاناة هؤلاء الأطفال "الذين سرقت منهم طفولتهم بسبب الفقر والتهميش".
مخاطر صحية واجتماعية تهدد الأطفال "البرباشة"
يعتبر الجانب الاقتصادي 'للبرباشة' صعبا نظرا لظروفهم الاجتماعية الهشة لذلك يضطر بعض الأطفال إلى الخروج لممارسة هذا النشاط لمساعدة عائلاتهم على المصاريف الحياتية، وفقا للخبير في المجال البيئي مهدي عبدلي.
ويتعرض هؤلاء الأطفال إلى عديد الحوادث والمخاطر الصحية بإعتبارهم عرضة للإلتحام المباشر مع النفايات والجراثيم و الروائح الكريهة، إضافة الى المجهود الجسدي والنفسي الذي يبذلونه في ممارسة هذا النشاط في ظل العوامل المناخية حيث يجوبون الشوارع تحت أشعة الشمس صيفا وقساوة البرد في الشتاء دون وقاية، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض التنفسية والصدرية والطفيلية والجلدية وغيرها جراء استنشاق الغازات المنبعثة، إضافة الى الحوادث العرضية باعتبار أن النفايات في تونس ليست مفرزة حيث تختلط الروائح الكريهة بالنفايات الطبية والمواد الحادة إضافة إلى عصارات النفايات (السوائل المتسربة) التي تفرزها النفايات والتي يتعامل معها هؤلاء الأطفال بأياد عارية.
خلافا للمخاطر الصحية، يوجد الجانب الاجتماعي، حيث يحرم هؤلاء الأطفال من طفولتهم مما يجعلهم يشعرون بالعزلة الاجتماعية باعتبار أن معظم المجتمعات تنظر لهذا النشاط بـ "نظرة دونية" تحمل في طياتها الكثير من الوصم.
تجاوزات قانونية والعائلات في قفص الاتهام
تنص مجلة الشغل في فصلها 53 على أنه "لا يمكن تشغيل الأطفال الذين يقلّ سنّهم عن ستّة عشر عاما في جميع الأنشطة الخاضعة لهذه المجلة مع مراعاة الأحكام الخاصّة الواردة بنفس المجلة".
كما ينص الفصل 55 من مجلة الشغل على "تخفيض سنّ قبول الأطفال في العمل إلى ثلاثة عشر عاما في الأشغال الفلاحية الخفيفة التي لا تضرّ بصحّتهم ونموّهم ولا تمسّ بمواظبتهم وقدراتهم على الدراسة وعلى مشاركتهم في برامج التوجيه أو التكوين المهني المصادق عليها من طرف السلط العمومية المختصة".
وينص الفصل 58 من مجلة الشغل على أنه "لا يجوز أن يقل عن ثمانية عشر عاما السنّ الأدنى للقبول في أيّ نوع من أنواع الأعمال التي يمكن بحكم طبيعتها أو الظروف التي يقع القيام بها أن تعرّض صحّة أو سلامة أو أخلاق الأطفال للخطر".
كما صدر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، قرار من وزير الشؤون الاجتماعية عدد 28 مؤرخ في 1 أفريل 2020 يتعلق بتحديد أنواع الأعمال التي يحجر فيها تشغيل الأطفال ممن تقل أعمارهم عن 18 سنة حيث تشمل القائمة أشغال جمع ومعالجة القمامة، والأشغال التي تشمل التعرض لأشعة الشمس بين الساعة 10 صباحا و4 مساء خلال فصل الصيف.
لمحة عن بعض القوانين المنظمة لعمل الأطفال في تونس
يجد بعض الأطفال أنفسهم مجبرين على العمل في مثل هذه الأعمال الشاقة والمحفوفة بالمخاطر، حيث تفيد الباحثة واستاذة علم الاجتماع حنان الشابي، في معرض حديثها معنا، أن حسب المسؤولين في مصب برج شاكير، تعمد بعض العائلات الى جلب أطفالهم (في بعض الأحيان لا تتجاوز أعمارهم الـ7 سنوات) إلى داخل المصب لنبش النفايات، رغم أن النص القانوني واضح ويمنع عمالة الأطفال، لكن يبقى المتهم الرئيسي الفقر وأنهم لايمتهنون الا تلك المهنة.
وترجح محدثتنا تنامي هذه الظاهرة إلى تزايد عدد الأطفال المنقطعين عن الدراسة، إضافة الى امتهان بعض العائلات لهذه المهنة إلى درجة أن تصبح وراثية لدى بعضهم، علاوة على غياب دور الجهات الرسمية ومؤسسات الدولة في الإحاطة وتأطير هؤلاء الأطفال خاصة منهم الذين يعيشون في حالة فقر مدقع.
من جهته، يعتبر الخبير في المجال البيئي مهدي عبدلي، أن النص القانوني واضح، حيث ينص
الفصل 52 من دستور الجمهورية التونسية على حماية الدولة لحقوق الطفل، كما ينص على أن "حقوق الطفل على أبويه وعلى الدولة ضمان الكرامة والصحة، والرعاية، والتربية، والتعليم. وعلى الدولة أيضا توفير جميع أنواع الحماية لكّل الأطفال دون تمييز وفق المصالح الفضلى للطفل"، لكن تبقى هذه النصوص القانونية لا وجود لها على أرض الواقع.
ويضيف محدثنا أن هؤلاء الأطفال مكرهون على ممارسة هذا النشاط حيث يضطر بعضهم الى الخروج مع عائلاتهم للبحث عن قوت يومهم.
ودعا مهدي عبدلي، في هذا الإطار وزارة المرأة والطفولة الى تسليط الضوء على هذه الفئة من الأطفال وعقد مجلس وزاري مشترك مع وزارتي البيئة والشؤون الاجتماعية للاعتراف بهؤلاء الأطفال لضمان حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.
بابا متوفي ونخدم باش نعاون أمي على مصروف اخواتي
ناجي، طفل 'برباش'
قصة 'ناجي" لا تختلف كثيرا عن قصة 'أحمد' و'روائد'، حيث تختلف الاسماء والملامح في كل مرة لكن تبقى نفس المعاناة، فقد أجبرتهم ظروفهم القاسية على خوض معارك الحياة منذ الصغر بحثا عن لقمة عيش كريمة.
'ناجي'، هو طفل ذو 13 ربيعا، أصيل منطقة العطّار، التي يتركز فيها مصب برج شاكير بتونس الغربية، كان يتجول بخطى متثاقلة رفقة شقيقه الأصغر (9 سنوات)، وهو يدفع بعربته الصغيرة المملوءة ببعض القوارير البلاستيكية والبلورية، كي يقوم ببيعها مقابل بعض الدنانير التي يحاول أن يعيل بها والدته وبقية أشقائه.
يحدثنا 'ناجي'، ووجهه يتصبب عرقا من شدة التعب، عن ظروفه القاسية التي اضطرته لهذا العمل الشاق، حيث يشير إلى أن والده توفي منذ أشهر ووالدته تعمل عاملة نظافة في مستشفى شارل نيكول، وقد اضطر للخروج الى العمل كي يساعدها على المصاريف خاصة وأنه الكبير بين أشقائه الثلاث ويعيشون جميعا مع جدتهم.
ويضيف ناجي والحزن والعجز يملآن عيناه قائلا:
مالقيتش حتى خدمة أخرى.. ماحب يخدمني حد خاطرني صغير وانا نخدم على روحي نحب نعاون أمي
ويشير 'ناجي" في حديثه معنا الى أنه حاول البحث عن عمل آخر لكنه يجابه دائما بالرفض نظرا لصغر سنه، لذلك يضطر في العطل لجمع القوارير البلاستيكية كي يبيعها ويساعد والدته على المصاريف اليومية.
في تونس، باتت مهنة 'البرباشة' وجهة كل 'فقير' يبحث عن لقمة العيش، ولهذه المهنة قوانينها الخاصة حيث تسيطر فئة الذكور على هذا النشاط مما يخلق هيمنة ذكورية، لكن هذا لا يخفي الحقيقة حيث ما إذا نظرنا الى هذه الظاهرة سنجد فسيفساء تجمع بين مختلف الأعمار والأجناس، فبتجولنا في منطقة العطار المحاذية لمصب برج شاكير ، لاحظنا وجود طفلات لا يتجاوز أعمارهن 16 سنة، كن بصدد العمل في معمل لفرز النفايات، كان ذلك في حدود الساعة 7 صباحا، ورغم الارهاق والتعب الباديان على وجوههن الا وكانت الابتسامة لا تفارق وجوههن.
وبحديثنا معهن، أكدت إحداهن، رفضت الإدلاء بهويتها لأسباب شخصية، أنها تلتجأ للعمل في عطلة الصيف لكي تتمكن من التعويل على ذاتها وتأمين مصاريفها اليومية كي لا تكون عبء على والديها.



