يتزامن اليوم مع الذكرى الخامسة عشر لسقوط أول شهيد برصاص الأمن في مدينة الرديف يوم 6جوان 2008، مشاهد بقيت حاضرة عند الكثيرين ممن عايشوا أحداثها.
في ليلة السادس من جوان 2008 عاشت مدينة الرديف ليلة رعب نتيجة ممارسات عدد من أعوان الأمن تمثلت أساسا في خلع ونهب عديد المحلات التجارية بالمدينة، الأمر الذي أثار حفيظة السكان ليتم اعلان الإضراب العام يوم الجمعة .6جوان 2008 وتعلن الجهات الأمنية حالة الطوارئ في مساء نفس اليوم
يقول الدكتور عبيد الخليفي إبن المنطقة وأحد سجناء احداث الحوض المنجمي في حديثه لكشف ” كلما إبتعدنا عن ذكرى 6 جوان 2008 إلا وكان النسيان مصيرا محتوما لتضحيات الشهداء، نحن شعب يكتب تاريخ الحاكمين الفاشلين لنطمس تاريخ الدم والسجن والرصاص الحي في صدور شعبنا، ونسيان هذا اليوم هو جزأ من فشلنا في صناعة الحاضر والمستقبل.”
بالعودة إلى أحداث الرديف ، و في مساء يوم الجمعة تطور الوضع الميداني لتستعمل قوات الامن الرصاص الحي ليقتل حفناوي المغزاوي بإصابة في ظهره وجرح أكثر من 21شخص تم نقل أغلبهم الى المستشفى الجهوي الحسين بوزيان بقفصة.
الناشطة الحقوقية غزالة محمدي تستذكر ما حدث مساء يوم الجمعة 6 جوان 2008 وتقول لكشف “كان من المقرر أن يتم تنظيم إجتماع تضامني بمقر منظمة العفو الدولية بمدينة قفصة مع أبناء الرديف ولكن وصلت الأنباء التي تؤكد مقتل الحفناوي المغزاوي ووصول جرحى الى المستشفى الجهوي وهو ما دفعنا للتحول الى المستشفى للوقوف على الحالة الصحية للمصابين”
سارعت الجهات الرسمية التونسية آنذاك إلى تحميل المتظاهرين مسؤولية ما حدث، وقال وزير العدل في تلك الفترة بشير التكاري «بلغ إلى علم السلطات أن عناصر بصدد صنع زجاجات حارقة (مولوتوف) لاستعمالها في أعمال تخريبية، مما استوجب تدخل أعوان الأمن لكنهم تعرضوا للرمي بعدد من هذه الزجاجات مما استوجب رد فعل وأصيب 8جرحى من بينهم 5 أعوان و3مدنيين.
يقول بوبكر بن بوبكر أحد سجناء الحوض المنجمي 2008″ أكثر من ظلموا في تاريخ تونس المعاصر هم شهداء الحوض المنجمي، ظلموا في عهد الإستبداد عندما تم قتلهم دون وجه حق، لم يرفعوا السلاح ضد الدولة و لم يستقووا بقوى خارجية، و لم يتآمروا على أمن الدولة، فقط هم طالبو بحقوقهم الاجتماعية”.
مضيفا في نفس السياق “أبناء الحوض المنجمي كغيرهم من سكان المناطق المهمشة هم ضحايا دولة الاستبداد النوفمبري.. وضحايا الثورة التي لم تنصفهم ولم تكشف حقيقة من أطلق عليهم الرصاص ونفذ جريمة قتلهم ولم تتم محاسبة الجناة ولن يطوى الملف إلا بظهور الحقيقة”.
ويضيف بوبكر “للأسف حتى بعض رفاق الشهداء خانوا العهد بعد أن استثمروا في دمائهم واخذوا المناصب ونالوا شهرة وجمعوا الأموال بفضل المزايدة والمناورة واستعمال ملفاتهم لمقايضة هذا وذاك، ثم تناسوا الأحياء والأموات منهم.
ويختم بقوله “للأسف هناك جيل جديد لا يعرف عن الاحداث وعن بطولات أبناء المنطقة إلا أن البعض خان دم الشهداء و بعض قادة الحراك باعوا وقايضوا مطالب المنطقة بعد الثورة لينعموا هم بالراحة ولم تعد اليوم الذكرى تدر عليهم أي فائدة فتناسوها”، وفق تعبيره.
“ذكرى 6 جوان مازالت محفورة في ذاكرة كل التونسيين، ذكرى إرتوت حينها أرض المناجم بالدماء الطاهرة الزكيةلشباب خرج بصدور عارية وحناجر تعانق عنان السماء تهتف بالشغل والحرية والكرامة الوطنية، وفق تعبير إبن المنطقة المربي علي العبيدي.
«ويتابع “لم يكن في خُلد أحدنا أن رصاص التشفّي والغدر يشتاق إلى الأجساد العارية الهزيلة هزال أحلامنا وآمالنا ،لعلع الرصاص وساد صمت مطبق وحشرجة مزّقت الأكباد والقلوب…حفناوي مات حفناوي استشهد …وبذلك يسقط أول شهيد الكرامة شهيد العزّة …لم نكن لنصمت خرجنا هتفنا من جديد ولكن باسم الشهيد هذه المرة …في جنازة مهيبة خرج الأهالي يودعون زهرة الشباب الى مثواه الأخير”،حسب تعبيره.
مدينة المتلوي كبرى مدن الحوض المنجمي لم تشهد تحركات احتجاجية كبرى مع بداية الحراك حتى الأيام الأولى لشهر جوان 2008 تاريخ وفاة الشاب نبيل شقرة دهسا بسيارة امن لتبدأ بعدها تحركات دفعت السلطة لتتعامل بقسوة مع أبناء الرديف حتى لا تتسع التحركات أكثر ولن يكون بعدها بالإمكان عزلها .
الناشط بالمجتمع المدني إبن المتلوي عمر الجديدي يتحدث لكشف عن الذكرى ويقول “ما تبقى في الذاكرة الخروج العفوي لمتساكني الحوض الذين أشعلوا فتيل الاحتجاجات وكسرو حاجز الصمت لتك الاحتجاجات التي نزعت الخوف من قلوب الشباب المتحمس للظفر بحقوقه في العيش الكريم والتي اطاحت في وقت لاحق بزين العابدين بن علي، لازلت اتذكر جيدا صورة تلاحم المتساكنين مع بعضهم البعض والذي حير نظام قائم مدة 21 سنة”
سبقت انتفاضة الحوض المنجمي 2008 تحركات احتجاجية في برج العكارمة وسيدي بوبكر بنفس الشعارات، المطالبة بالتنمية والتشغيل لم يجد نظام بن علي من حلول لها الا بمواجهتها بالقمع الشديد ما أدى لمقتل 4 شهداء وجرح العشرات وإيقاف المئات تعرضوا جميعهم لانتهاكات ومحاكمات غير عادلة.
ويوم الأربعاء 26 سبتمبر 2018،عقدت الدائرة المتخصصة في العدالة الانتقالية بالمحكمة الابتدائية بقفصة، أول جلسة للنظر في قضية انتفاضة الحوض المنجمي ،حيث وجهت ثلاث تهم لـ16 متهمًا هم الرئيس زين العابدين بن علي ووزير الداخلية حين الانتفاضة رفيق الحاج قاسم، والاطارات الأمنية ،المنصف العجيمي وجلال بودريقة و بلقاسم الرباحي، ومحمد اليوسفي، وسامي اليحياوي، وعبد الرزاق البحيري، وبوهلال العكرمي، وزهير الرحيلي، وكمال ورتاني، وجلال العياري، ولطفي حيدر وفيصل الرديسي ،ولازال أهالي الشهداء وضحايا الانتهاكات الى اليوم في انتظار كشف الحقيقة.