ويأتي هذا التدهور المالي والإنتاجي الذي تعانيه شركة فسفاط قفصة بعد سنوات من التراكمات الهيكلية، إذ أقر المدير العام للشركة عبد القادر العميدي، خلال جلسة استماع عقدتها لجنة المالية والميزانية بالبرلمان نهاية شهر مارس 2026، بأن القروض الكبيرة التي حصلت عليها المؤسسة في السنوات الماضية لم تترجم إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع.
ولا تزال أزمة النقل واللوجستيك تعيق الإنتاج وتُفاقم الخسائر المتراكمة، رغم التحسن النسبي الذي سُجّل خلال سنة 2025، حيث اقتربت الشركة من إنتاج 4 ملايين طن.
ومع ذلك، تؤكد التقارير النقابية والشهادات الميدانية أن الأزمة عميقة وتهدد استدامة المرفق العمومي برمته.
من داخل مواقع الإنتاج: شهادات العمال والناشطين تكشف الواقع المر
يلخص العامل بإقليم المظيلة التابع لشركة فسفاط قفصة والناشط بالمجتمع المدني وسجين الحركة الاحتجاجية 2008، بوبكر بن بوبكر، الصعوبات اليومية التي يواجهها العمال قائلا “بصفتي عاملا بالشركة، أرى الصعوبات التي تواجهنا يوميا: اهتراء معدات العمل منها ما انتهى عمره الافتراضي منذ سنوات، نقص فادح في السلامة المهنية، عدم توفر بنية تحتية مريحة للعامل، تدني الأجور، وطول ساعات العمل دون منحة خطر رغم أننا معرضون للخطر بشكل يومي”.
ويتابع بن بوبكر “توقعاتنا من الإدارة والسلطة أن تستمع جيدا للعمال والمهتمين وتتخذ قرارات تعزز الانتماء للمؤسسة، انتظاراتنا محدودة… الشركة اليوم أصبحت ربحية وتخلت عن دورها الاجتماعي”.
من جانبه يرى الناشط في المجتمع المدني وسجين الحركة الاحتجاجية بالرديف سابقا بشير العبيدي، أنه يجب القيام بـ”ثورة هيكلية في وزارة الصناعة وتحرير قطاع الفوسفاط، إضافة إلى دمج شركة الفوسفاط والمجمع الكيميائي وكل الشركات التي تنتج مستخرجات الفوسفاط، وإحداث وزارة للنهوض بمجال الفوسفاط واستشراف آفاقه الوطنية، وتمكين الوزارة من التصرف الحقيقي في موارد القطاع بغاية النهوض به”.
أما الجامعة العامة لعمال المناجم التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل فقد أكّدت خطورة الوضع، محذرة من “لحظة مفصلية” قد تهدد وجود الشركة.
وترى أن الإضرابات المتكررة في مناطق مثل الرديف والمتلوي والمظيلة وأم العرائس ليست إلا تعبيرا عن احتقان اجتماعي متراكم ناتج عن تأخر صرف المستحقات وتدهور الظروف المهنية والبيئية، مشيرة إلى عجز شركة فسفاط قفصة عن تحصيل مستحقاتها الكبيرة لدى المجمع الكيميائي التونسي وشركة TIFERT، مما دفعها إلى الاقتراض تحت شروط مالية صعبة.
وضع يوصف بالكارثي رغم جهود الإصلاح
يصف مراقبون الوضع بأنه “كارثي”، فقد تراجع الإنتاج بشكل حاد بسبب الإضرابات والمشاكل اللوجستية، مع تراكم الديون التي تعود جذورها إلى ما بعد الثورة.
وطالب نواب عن دائرة قفصة بعقد جلسة طارئة في البرلمان لمناقشة الوضعية التي تحولت فيها الشركة، التي كانت قاطرة الاقتصاد الوطني، إلى عبء يهدد الاستقرار الاجتماعي في الجهة.


في المقابل، أعلنت الشركة عن تطلعها للوصول إلى إنتاج قريب من 4 ملايين طن، مع خطط استثمارية لتجديد المعدات وتحسين اللوجستيك، مدعومة بإجراءات في قانون المالية 2026 تشمل إعفاءات ضريبية وديوانية.
غير أن هذه المبادرات تبدو محدودة أمام عمق الأزمة الهيكلية، التي يرجعها الكثيرون إلى غياب رؤية استراتيجية واضحة وفشل في الحوكمة على مدى سنوات.
يجسد وضع شركة فسفاط قفصة اليوم صورة مصغرة لتحديات الاقتصاد التونسي: مؤسسة تمتلك موارد طبيعية مهمة، غارقة في الديون والاحتجاجات، وتفتقر إلى إصلاحات جذرية قادرة على تحويلها من عبء إلى رافعة تنموية حقيقية. مع تحذير النقابات من أن إنقاذها أصبح معركة وطنية.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل ستتمكن الدولة من اتخاذ قرارات جريئة تشمل تسوية المستحقات مع الشركاء الصناعيين وإعادة هيكلة القطاع، أم أن التردد المستمر سيحول الحوض المنجمي بقفصة إلى منطقة تعاني من الركود الاجتماعي والاقتصادي؟