وأفاد مرصد الحرية لتونس بأن تقرير اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب كشف عن صورة قاتمة للوضع الحقوقي في البلاد، حيث رصدت اللجنة سلسلة من الانتهاكات البنيوية التي تمس جوهر دولة القانون، في مقدمتها تراجع الضمانات الدستورية، وتغوّل السلطة التنفيذية، وتآكل استقلال القضاء، وفق تعبيره.
وانتقدت اللجنة بشكل مباشر دستور 25 جويلية 2022، معتبرة أنه تراجع عن المرجعيات الكونية لحقوق الإنسان التي كانت مكرسة في دستور 2014، كما شددت على أن غياب المحكمة الدستورية إلى اليوم يُمثّل “فراغا قانونيا خطيرا” يقوّض منظومة الرقابة على السلطة.
كما سجّل التقرير استمرار العمل بحالة الطوارئ وتمديدها المتكرر، مع التأكيد على أن هذا الإجراء يجب أن يبقى استثنائيا ومؤقتا، في حين أصبح في تونس قاعدة تُستخدم لتبرير التضييق على الحقوق والحريات، وفق ما أورده المرصد.
وعبّرت اللجنة عن أسفها لقرار السلطات التونسية في مارس 2025 سحب اعترافها باختصاص المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في القضايا التي يرفعها الأفراد والمنظمات، معتبرة أن هذا القرار يحدّ من حق الضحايا في التقاضي الدولي ويطرح تساؤلات جدية حول التزام الدولة بالمنظومة الإفريقية لحقوق الإنسان.
وأشار المرصد إلى أنه على صعيد الحريات العامة، وثّق التقرير تصاعد القمع ضد المعارضين السياسيين والناشطين، بما في ذلك ملاحقة أشخاص بسبب أنشطتهم السياسية السلمية، وهو ما اعتبرته اللجنة انتهاكا مباشرا لحرية التعبير.
كما أثارت قلقها من غلق الهيئة الوطنية للنفاذ إلى المعلومة سنة 2025، ومن استمرار القوانين الجزائية المتعلقة بالثلب، التي تُستخدم لتقييد الإعلام ودفع الصحفيين إلى الرقابة الذاتية.
وفي مجال العدالة، كشف التقرير عن معطيات مقلقة، أبرزها إمكانية محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، في انتهاك واضح لمعايير المحاكمة العادلة، إضافة إلى غياب الشفافية بشأن الإيقاف التحفظي وظروف الاحتجاز.
كما سلّطت اللجنة الضوء على ثغرات خطيرة في التشريع التونسي تسمح بالإفلات من العقاب في قضايا التعذيب، من بينها إمكانية إعفاء بعض الأعوان من المسؤولية إذا ارتكبوا التعذيب “دون قصد”، إلى جانب غياب بيانات حول التحقيقات والمحاسبة في هذه الجرائم.
وفي ما يتعلق بالحق في الحياة، أعربت اللجنة الإفريقية عن قلقها من بقاء عدد كبير من الجرائم المعاقب عليها بالإعدام في القانون التونسي، رغم تعليق تنفيذ العقوبة منذ سنة 1991.
أما على المستوى الاجتماعي، فقد أشار التقرير إلى ارتفاع نسبة الفقر إلى 18.4بالمائة، مع استمرار التفاوت الجهوي الحاد، خاصة في قطاع الصحة، حيث تعاني المناطق الداخلية من نقص كبير في الموارد مقارنة بالعاصمة، وفق المصدر نفسه.
وفي ملف الهجرة، انتقدت اللجنة غياب إطار قانوني واضح لحماية اللاجئين وطالبي اللجوء، إلى جانب عدم تقديم السلطات معطيات دقيقة، مع الإشارة إلى الانتهاكات التي طالت مهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء.
كما تطرق التقرير إلى الوضع البيئي في قابس، معربا عن قلقه من التلوث الناتج عن أنشطة المجمع الكيميائي، ومن قمع الاحتجاجات الاجتماعية المرتبطة به.
وأشار مرصد الحرية لتونس إلى أن اللجنة سجّلت تراجع تمثيلية النساء في المؤسسات المنتخبة إلى حدود 15بالمائة، ودعت إلى تعزيز الحماية من العنف.