: قال رياض الشعيبي، المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة، إن السلطات تخشى من «الرمزية» الذي يمتلكها الأخير في مسار الانتقال الديموقراطي، وهذا ما يدفعها لمواصلة اعتقاله.
واعتبر، من جهة أخرى، أن اعتقال نشطاء أسطول الصمود العالمي يؤكد أن موقف السلطة من القضية الفلسطينية هو مجرد «شعارات شعبوية وانتهازية».
وقال الشعيبي، في حوار خاص مع «القدس العربي»إن «استمرار اعتقال راشد الغنوشي، وهو رجل تجاوز الثمانين من عمره والحكم عليه الى حد الآن ما يتجاوز نصف قرن، ليس قرارًا قضائيًا بأي معنى قانوني، بل هو قرار سياسي بامتياز، يعكس هشاشة السلطة القائمة وخوفها من الرمزية التي يحملها هذا الرجل في مسار الانتقال الديموقراطي. والبيان الأممي (المطالب بالإفراج عنه) ليس الأول ولن يكون الأخير، في غياب إرادة سياسية حقيقية للاستجابة».
كما تحدث عن وجود «مؤشرات جدية تُفيد بأن صحة الغنوشي تتدهور، وأن ظروف الاحتجاز تُفاقم وضعه، وهو ما أكده محاموه في مناسبات عدة، وذلك في ظل عدم تمكن عائلته من زيارته منذ ثلاث سنوات. ورغم هذا التضييق على هامش التواصل الأسري، فإن العائلة تعمل على كل الأصعدة المتاحة، قانونيًا وحقوقيًا ودوليًا للمطالبة بإطلاق سراحه».
وأضاف الشعيبي: «ما يجري هو عقوبة جسدية مُبطّنة بالإجراءات القانونية، وهذا ما يؤكد حديث منظمات حقوق الإنسان عن القتل البطيء الذي يتعرض له الشيخ راشد الغنوشي».
وحول حديث البعض عن بداية تفكك حركة النهضة في ظل التضييق الذي تمارسه السلطات ضدها، قال الشعيبي: «من يراهن على انهيار النهضة إنما يراهن على هزيمة إرادة شعبية تشكّلت على مدى عقود. غلق المقرات هو إجراء إداري قسري، لكنه لا يمكن أن يخترق القناعات ولا أن يُفكّك البنى الاجتماعية الراسخة لهذا التيار. والحركة اليوم تعمل في ظروف شبيهة بما عرفته في عهد بن علي، وقد ثبت تاريخيًا أن القمع لم يُنهِها، بل كان يُعيد إنتاجها بصورة أكثر متانة».
وأكد أن المؤتمر الحادي عشر للحركة «مؤجّل، وليس مُلغى، وغياب قيادات خلف القضبان يجعل انعقاده في هذه الظروف أمرًا متعذرًا، لكن الحركة ليست حبيسة مؤتمراتها. الفاعلية الميدانية والحضور الشعبي أعمق مما يظنه المراقبون السطحيون
وأضاف الشعيبي: «حركة النهضة هي جزء أصيل من هذا الشعب، وهي ملتحمة معه في كل مفاصل مقاومته لتسلط هذا النظام، وفي كل المواقع النضالية المتاحة. وقيادة الحركة ومؤسساتها المتمسكة بعلنيتها مُستمرة في عملها، أما المعتقلون داخل السجن فيشكّلون معًا ضميرًا حيًّا يغذي صمود مناضلي هذه الحركة».
من جانب آخر، اعتبر أن توقيت إيقاف نشطاء هيئة الصمود التونسية «ليس محض صدفة. والإعداد للنسخة الثانية من أسطول الصمود العالمي كان في صدر الأخبار، فجاء القمع باسم «غسيل الأموال» ليُجهضه في المهد. وتهمة غسيل الأموال أصبحت الأداة المفضّلة لهذه السلطة لتجريم كل نشاط معارض، بعد أن استُنزفت تهمة الإرهاب نسبيًا أمام المجتمع».
كما اعتبر أن «التحوّل في الموقف الرسمي التونسي من القضية الفلسطينية، هو واقع لا يحتاج إلى إثبات. فتونس التي تمتلك إجماعاً شعبياً على حق الشعب الفلسطيني غير القابل للتنازل أو التفريط، والتي صمدت طويلًا في خانة المبدئية التاريخية، باتت اليوم تُدار من خلال هامش مناورة سلطة لا يهمها إلا استمرارها في الحكم، وبغض النظر عن التنازلات التي تقدمها في سبيل ذلك».
وتابع الشعيبي: «اليوم وتحت ضغط منظومة التطبيع الإقليمي والعدوان الأمريكي والصهيوني على إيران، غيرت السلطة موقفها السياسي تمسكاً منها بالاستمرار ولو على حساب ما عبرت عنه من مواقف سابقة، يبدو أنها لم تكن إلا شعارات شعبوية وانتهازية فارغة. الضغوط الخارجية حقيقية، لكن غياب الإرادة السيادية الداخلية هو الأخطر، إذ لا ضغط يُجدي على موقف صلب».
وحول تقييمه لحصيلة وجود الرئيس قيس سعيد في السلطة، قال الشعيبي: «سبع سنوات كفيلة بتقديم حصيلة واضحة لمن أراد أن يرى. فعلى الصعيد الاقتصادي: تراجع حاد في مستوى المعيشة، وعجز متراكم، وعزلة عن المؤسسات المالية الدولية. وعلى الصعيد السياسي: تفكيك ممنهج لكل مؤسسات الدولة التي بُنيت بعد 2011. وعلى الصعيد الحقوقي: موجة اعتقالات طالت المعارضين والصحافيين والقضاة والمحامين».
وأضاف: «أما المقارنة بابن علي والحديث عن «حكم مدى الحياة»، فهي مخاوف مشروعة تمامًا. الدستور الذي فُصّل على مقاس شخص واحد، والقضاء الذي رُوّض، والإعلام الذي طُوّق، كل هذا يُنبئ بمشروع استبدادي لا يختلف في جوهره عن سلفه، بل ربما يتجاوزه في بعض أدواته».
وفسر الشعيبي «حنين» البعض لفترة بن علي و»العشرية لأولى» بعد الثورة بقوله: «هذه الظاهرة مفهومة نفسيًا لكنها خطيرة سياسيًا. فالإنسان حين يُعاني في الحاضر يُجمّل الماضي بصورة انتقائية. والذين يحنّون إلى ابن علي نسوا الوضع الاقتصادي والاجتماعي المأساوي الذي وصلت له البلاد، وتناسوا انتشار فساد العائلة الحاكمة ومؤيديهم إلى حد لا يطاق، وكذلك المعتقلون والمُشرَّدون والمُهاجَرون الذين ملؤوا سجونه وشتاته».وختم الشعيبي بقوله: «أما عن العشرية، فالمفارقة الحقيقية أن الذين سمّوها «سوداء» تجاهلوا أرقى لحظات الحرية الصحافية والحزبية في تاريخ تونس الحديثة. والخطأ الجسيم يكمن في قياس المرحلة بآليات المرحلة ذاتها، لا بما أرسته من أسس. وما نعيشه اليوم يُثبت بوضوح أن الثورة لم تُهزم بالديموقراطية، بل هُزمت بالانقلاب عليها».