ويأتي هذا المؤتمر في ظل خلافات داخلية عميقة دفعت إلى تقديم موعده من 2027 إلى 2026، وسط أجواء من التوتر والانقسامات التي قد تحوّل هذا الاستحقاق إلى “ساحة تصفيات حسابات”.
وخلافا لما كان معمولا به في المؤتمرات السابقة، تقوم الترشحات هذه المرة أساسا على مبدأ الترشحات الفردية، لا على قوائم موحدة أو مترابطة، وهو ما يزيد من حالة الضبابية التي تحيط الاستعدادات للمؤتمر.
ولا تزال الصورة غير واضحة إلى حدّ الآن، في وضع غير مألوف مقارنة بالمؤتمرات السابقة للاتحاد العام االتونسي للشغل، إذ يلفّ الغموض مسألة الترشحات، هوية الأمين العام القادم وتركيبة القوائم، إضافة إلى الجدل المتعلق بإمكانية ترشح المتقاعدين، فضلا عن طبيعة التحالفات المحتملة.
ففي العادة كان الإعداد للمؤتمر ينطلق قبل أكثر من سنة، وتكون ملامح القيادة القادمة شبه محسومة، بل إن اسم الأمين العام المرتقب يكون في الغالب معروفا ويحظى بدرجة من التوافق داخل الهياكل النقابية. لكن هذه المرة، تبدو الصورة أكثر ضبابية، دون مؤشرات واضحة إلى مرشح أوفر حظّا أو تحالف مهيمن.
وفي خضم هذه المعطيات فالظاهر أن النواب لن ينضبطوا كثيرا هذه المرة، إذ من المتوقّع أن يلجأ جزء كبير منهم إلى التصويت العقابي تعبيرا عن رفضهم للوضع الحالي، فيما سيفضّل آخرون التصويت لأشخاص بعينهم بدلا من الالتزام بالقوائم الجماعية. بل إن بعض الأصوات داخل الاتحاد العام التونسي للشغل تطرح علنا فكرة المقاطعة، مستندة إلى تشكيك في قانونية عقد المؤتمر في مارس.
وتعتبر هذه الفئة أن القانون الداخلي لا يجيز تقديم موعد المؤتمر إلا في حالات استثنائية واضحة المعالم، وهو ما يرونه غير متحقّق في الظروف الراهنة.
يواجه الاتحاد تحديات إضافية، من بينها أزمة مالية ناتجة عن إيقاف الاقتطاع الآلي، إلى جانب محاولات لتحصين المؤتمر من الطعون القانونية بعد تراجع الأمين العام الحالي نور الدين الطبوبي عن استقالته.
وفي سياق أوسع، يأتي هذا الغموض وسط توتر مستمر مع السلطة السياسية، التي تواجه اتهامات بمحاصرة الاتحاد ماليّا وسياسيّا، ورفض فتح حوار اجتماعي حقيقي.
ويخشى بعض النقابيين أن يُستغلّ هذا الضغط الخارجي للتأثير غير المباشر على مسار المؤتمر، سواء عبر طعون قانونية محتملة أو تعزيز تيارات أكثر “توافقا” مع الواقع الراهن، مما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل النتائج مفتوحة على كل الاحتمالات.
ومن المنتظر أن يشهد المؤتمر نقاشات ساخنة حول مستقبل المنظمة ودورها في المرحلة القادمة، وسط مخاوف من أن ينتهي بولادة عسيرة إذا لم يتم احتواء الخلافات قبل انعقاده.
ويبقى السؤال المطروح: هل ينجح الاتحاد العام التونسي للشغل في تجاوز أزمته الداخلية والخارجية، أم أن هذا المؤتمر سيكون بداية مرحلة جديدة من التصدع النقابي؟