قال عماد الدربالي، رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم، اليوم الجمعة 27 فيفري 2026، إن المرحلة التي تمرّ بها البلاد تستوجب تعبئة وطنية شاملة، تتوحّد فيها الإرادات وتلتقي فيها العزائم حول هدف واحد هو إنقاذ القطاع الفلاحي وتعزيز قدرتها على تأمين قوت التونسيين وصون سيادة الوطن.
وأضاف الدربالي في كلمة خلال الجلسة العامة الحوارية مع وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، أن توفر الإرادة الصادقة، المقرونة بروح المسؤولية والإيمان العميق بقدرات الشعب، كفيل بأن يحوّل التحديات إلى فرص، وأن يعيد الثقة إلى الفلاح والبحّار وكل العاملين في هذا القطاع، بجعل خدمة الأرض وحماية مواردها عنوان التزام، ومن دعم المنتجين واجبًا وطنيًا لا يقبل التردد، حتى يتم المضي بتونس بثبات نحو برّ الأمان، ويتم الإرتقاء بها إلى المكانة التي تستحقها بين الأمم.
واعتبر الدربالي أن تاريخ تونس ارتبط بالأرض عطاءً وانتماءً، وشكّلت الفلاحة عبر العصور عنصرًا محددًا في استقرار البلاد وازدهارها.
وبين الدربالي أن تونس قد عُرفت منذ العهد القديم بخصوبة أراضيها، وكانت قرطاج مركزًا تجاريًا وزراعيًا مؤثرًا في حوض المتوسط، ثم تعزّز هذا الدور خلال الحقبة الرومانية حين كانت خيرات البلاد تُسهم في تأمين حاجيات روما. ويؤكد هذا الامتداد التاريخي أن الفلاحة ظلّت في صميم معادلة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وبين أن أهمية هذا القطاع، تتعمق اليوم في ظل التحولات المناخية المتسارعة، وتزايد الضغط على الموارد المائية، وتقلبات الأسواق العالمية. فالفلاحة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن الغذائي وبمفهوم السيادة الوطنية في أبعادهما الاستراتيجية. وكلما تعززت القدرة على الإنتاج والتحكم في منظومات التزويد والتخزين، ترسخ استقلال القرار الوطني وازدادت مناعة الدولة في مواجهة الأزمات. ومن هذا المنظور، تندرج الفلاحة ضمن مقومات الأمن القومي التونسي، بما تقتضيه من تخطيط بعيد المدى وإدارة رشيدة للموارد.
وقال عماد الدربالي “إن الواجب الوطني يحمّلنا مسؤولية العمل على تذليل الصعوبات التي يواجهها الفلاحون، والإسراع باتخاذ التدابير الكفيلة بالحد من معاناتهم، مع التصدي لكل أشكال الاحتكار والمضاربة وشبكات المصالح التي تمسّ بقوت التونسيين وتربك توازن السوق”.
وأوضح أن الإصلاح الزراعي المنشود يقتضي معالجة جذرية لملف الأوضاع العقارية المعقدة، بما يفضي إلى تسوية قانونية واضحة ومستقرة، ويحدّ من تشتت الملكية الذي أعاق تحديث أساليب الاستغلال وقلّص من جدوى الاستثمار. كما يستوجب اعتماد آليات عملية لدعم صغار الفلاحين دعمًا مباشرًا وشفافًا، يمكّنهم من النفاذ إلى التمويل والتجهيزات والأسواق في ظروف عادلة.
وأكد أن الفلاح ظل يواجه عديد الأزمات المتراكمة، من ارتفاع كلفة الإنتاج، وصعوبات التزود بالمياه والأعلاف، وتذبذب الأسعار، إلى محدودية النفاذ إلى التمويل والأسواق رغم ما تزخر به البلاد من ثروات طبيعية وإمكانات واعدة، وهي أوضاع تستوجب مقاربة عملية تُعيد الاعتبار للمنتج، وتحفّز على الاستقرار في القطاع، وتُوفّر شروط الكرامة المهنية والاجتماعية.
وفي السياق ذاته، أفاد بأن قطاع الصيد البحري يحتل مكانة ذات أهمية بالغة، نظرًا لما يتيحه من مساهمة في الأمن الغذائي، ومن فرص تشغيل وتنمية لفائدة المناطق الساحلية. غير أن هذا القطاع بدوره يواجه تحديات متصلة بارتفاع كلفة المحروقات، واستنزاف بعض المخزونات السمكية، والحاجة إلى تطوير أساليب الصيد وحوكمة الاستغلال. وهو ما يقتضي سياسات متوازنة تحافظ على الثروة البحرية وتضمن ديمومتها، وتؤمّن في الآن ذاته ظروفًا عادلة وملائمة للبحّارة والمهنيين.
وفي ما يتعلق بالثروة الحيوانية، فقد شدد بأن المحافظة عليها وتجديدها يفرضان اعتماد برامج مستدامة للتربية والتحسين وتأمين الأعلاف، حفاظًا على طاقتنا الإنتاجية وتوقيًا من مخاطر التبعية للأسواق الخارجية.
كما بين أهمية تعزيز الاستثمار في البحث العلمي الفلاحي، وربط مخرجاته بحاجيات الميدان، واعتماد تقنيات إنتاج مستدامة تراعي خصوصياتنا المناخية وتحافظ على الموارد المائية والتربة، بما ينسجم مع توجه الدولة نحو تنمية متوازنة وشاملة.
وأضاف قائلا “إن المجلس الوطني للجهات والأقاليم، بحكم اختصاصاته الدستورية، يضطلع بدور أساسي في النظر والمصادقة على المخطط التنموي، بما يضمن انسجامه مع أولويات الجهات وتطلعات المواطنين. وفي هذا الإطار، نحرص على أن تحظى الفلاحة والصيد البحري بالمكانة المستحقة ضمن الخيارات الوطنية الكبرى، وأن يُدرجا كقطاعين ذوي بعد استراتيجي في التصورات والبرامج القادمة، بما يترجم أهميتهما في تحقيق الأمن الغذائي وتعزيز السيادة الوطنية ودفع التنمية المتوازنة بين مختلف الأقاليم”.
وأفاد بأن المخطط التنموي المقبل مدعو إلى تكريس توجه واضح يدعم الاستثمار الفلاحي والبحري، ويعالج الإشكاليات الهيكلية، ويوجه الاعتمادات نحو تطوير الموارد المائية، وتحديث منظومات الإنتاج، ومساندة الفلاحين والبحّارة، حتى تتعزز قدرة هذه القطاعات على الإسهام الفاعل في النمو والاستقرار الاجتماعي.
أخبار ذات صلة: