حذر النائب بالبرلمان حليم بوسمّة، من الخلط القائم بين النصوص القانونية وتطبيقها، معتبرا أنّ ما يتداول هذه الأيام تحت عنوان “الثورة التشريعية” يخفي في جوهره إشكالًا أعمق يتعلّق بالفجوة بين القاعدة القانونية والواقع الاجتماعي الذي يُفترض أن يحتضنها.
واعتبر بوسمّة في تدوينة نشرها على الفايسبوك، أن الخطاب السائد يوحي وكأنّ تونس لم تعرف التشريع إلا اليوم، أو كأنّها عاشت فراغًا قانونيًا لعقود، في حين أنّ الدولة التونسية راكمت، منذ الاستقلال، منظومة تشريعية مهمّة نظّمت مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وأسّست لفترات طويلة من الاستقرار النسبي في المعاملات.
وأضاف بوسمة أن “الإشكال المطروح اليوم لا يتعلّق بندرة النصوص، بل بتضخّمها” متابعا “لدينا آلاف القوانين والأوامر والترتيبات، ومع ذلك تتعقّد الحياة أكثر، وتتراجع القدرة على التطبيق، ويتنامى الشعور باللاجدوى.. حيث تزداد النصوص وتزداد معها الفوضى، ويكبر حجم الاقتصاد الموازي، وتضعف هيبة القانون، ويجد المواطن نفسه غارقًا في منظومة قانونية ثقيلة، معقّدة، ومتضاربة أحيانًا”، وفق تعبيره.
وأوضح بوسمة أن النصّ القانوني، مهما بلغت دقّته، يبقى عاجزًا إن لم يجد إنسانًا مؤهّلًا لتطبيقه، ومجتمعًا يحترمه، ومؤسسات تفرضه بعدل وصرامة، متابعا “لا يمكن لأيّ ثورة تشريعية أن تنجح في مجتمع فقد بوصلته الأخلاقية والتربوية، حيث يُطالب الجميع بالقانون عندما يتعلّق الأمر بحقوقه، ويتجاوزه عندما يمسّ واجباته”.
وتابع بسومة “لقد عرفت تونس، في فترات سابقة، منظومة قيم صلبة، رغم بساطة الإمكانيات وضعف مستويات التعليم لدى أجيال واسعة. كان الضابط الأخلاقي أقوى من الضابط القانوني، وكانت التربية العائلية والاجتماعية تؤدّي دورًا مركزيًا في ضبط السلوك العام. أمّا اليوم، ورغم توسّع التعليم وانتشار المعرفة، فإنّ المفارقة المؤلمة أنّنا نسير أحيانًا على الهامش: نعرف كثيرًا ونلتزم قليلًا”.
وشدد بوسمّة على أنّ الأزمة لم تعد تشريعية بالمعنى الضيّق، بل أصبحت في جوهرها أزمة حضارية وتربوية، موضحا أنّ تآكل منظومة القيم يجعل من القانون مجرّد نصّ بلا روح، ويحوّل القاعدة القانونية إلى عبء بدل أن تكون إطارًا منظّمًا للحياة الجماعية.
وأضاف بوسمة أن “الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الجريدة الرسمية، بل من المدرسة، ومن الأسرة، ومن إعادة الاعتبار لقيم الأمانة والعمل واحترام القانون” مشددا على أن “الدولة القوية ليست تلك التي تُكثِر من القوانين، بل تلك التي تُحسِن تطبيق القليل منها بعدل وهيبة”.
ختم بوسمة بالقول بأن “أزمة تونس اليوم ليست أزمة قوانين بقدر ما هي أزمة إنسان، تراجع لديه الحسّ الجماعي، وضعفت لديه التربية المدنية، و غلبت عليه النزعة الفردية” مشدّدًا على أنّ إصلاح السلوك والضمير يبقى المدخل الأساسي لاستعادة فاعلية القانون وبناء دولة عادلة ومستقرّة.


أخبار ذات صلة: