القضاة يحذّرون من تواصل الفراغ المؤسسي وانفراد السلطة التنفيذية بإدارة الشأن القضائي

اعتبر القضاة المجتمعون بالمؤتمر 15 لجمعية القضاة تحت شعار "من أجل استقلال القضاء ودولة القانون"، أن عقد هذا المؤتمر في ظروف التضييق والضغوطات الراهنة على حق القضاة في الاجتماع والتعبير وعلى القضاة في أداء مسؤولياتهم القضائية يمثل في حد ذاته نجاحا لجمعية القضاة وللقضاة في الحفاظ على الممارسة الديمقراطية وفي تجديد هياكلهم الممثلة، مثمّنين المحافظة على هذا المكسب الديمقراطي.

6 دقيقة

وجدّد القضاة تمسّكهم بحق القضاة في التنظّم صلب جمعية القضاة التونسيين وبحقهم في حرية التعبير وفق ما تقتضيه المعاهدات الدولية.

كما عبّروا عن انشغالهم جراء غياب المؤسسات القضائية الضامنة لاستقلال القضاء والقضاة ومنها بالأساس المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية ومن غياب قوانين أساسية للسلطة القضائية متلائمة مع المعايير الدولية، مما يؤثّر حتما على دورهم في حماية الحقوق والحريات وفي ضمان المحاكمة العادلة وفي تكريس التوازن بين السلط، وفق نص لائحة المؤتمر.

ونبّه القضاة من خطورة تواصل وضعية الفراغ المؤسسي وانفراد السلطة التنفيذية بإدارة الشأن القضائي بما سيؤول حتما إلى تقويض مقومات دولة الحق والقانون.

كما ندّدوا أيضا بتواصل الإدارة العشوائية للمسارات المهنية للقضاة العدليين خارج كل الضوابط القانونية والمعايير الموضوعية، من خلال التدخل المباشر للسلطة التنفيذية بواسطة مذكرات العمل وما يترتب عن ذلك من تداعيات سلبية على استقلالية الأحكام وعدالتها جرّاء أجواء الترهيب وعدم الاستقرار التي تفرضها على القضاة الذين انعدم إحساسهم بالأمان الوظيفي. فضلا عما يستتبع ذلك من اختلال خطير في سير المرفق القضائي وخاصة في حسن توزيع القضاة عبر المحاكم وفقا لمتطلباتها، وفق تعبيرهم.

وأكّدوا ضرورة مواصلة متابعة ملفات القضاة المعفيين، مطالبين بضرورة تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة لفائدة العديد منهم.

وفي السياق ذاته، ثمّنوا قرار الهيئة الوطنية للمحامين قبول ترسيم سبعة منهم، معبّرين عن ارتياحهم لاستعادة الهيئة الوطنية للمحامين دورها الوطني في دعم استقلال القضاء، وأملهم في أن تواصل الهيئة قبول ترسيم بقية القضاة المعفيين الراغبين في ذلك وفي أن تشكل هذه الخطوة الشجاعة بادرة لأسس عمل مشترك مع جمعية القضاة التونسيين لاستعادة استقلال القضاء كضامن للمحاكمة العادلة.

وعبّروا عن استنكارهم استهداف القضاة بواسطة المساءلة عن طريق التفقدية العامة بوزارة العدل على خلفية ممارستهم لحقهم في التعبير بخصوص الشأن القضائي.

وأشار القضاة إلى خطورة استهدافهم بالتتبعات الجزائية وإيقاف البعض منهم دون احترام الإجراءات القانونية النافذة، وأساسا إلزامية احترام الحصانة القضائية ويعتبرون ذلك أسلوبا من أساليب الترهيب والتطويع للقضاء والقضاة في هذا الظرف.

واستنكروا التتبعات الجزائية والإدارية المستهدفة لرئيس جمعية القضاة من أجل نشاطه الجمعياتي والنقابي والاضطلاع بمسؤولياته في الدفاع على استقلال القضاء والقضاة ومبادئ المحاكمة العادلة بشجاعة والتزام في هذا الظرف شديد الصعوبة.

وشدّدوا على أنه لا استقلال للقضاء ولا نزاهة للأحكام ولعدالتها في ظل هيمنة السلطة التنفيذية على المسارات المهنية للقضاة في غياب مجلس أعلى للقضاء مستقل يشرف على تلك المسارات ويحميهم من الضغط والتدخل السياسي والتنفيذي في أعمالهم.

وحمّلوا مسؤولية “حالة الشلل” بالمجلس الأعلى للقضاء العدلي للسلطة التنفيذية، “التي كانت السبب في حصول تلك الشغورات وفي الإبقاء عليها وعدم تسديدها لتترك لنفسها المجال واسعا للتدخل في القضاء واستدامة التحكم فيه باستغلال ما يشهده من حالة الفراغ المؤسسي غير المسبوق”.

ولفت المؤتمرون إلى عدم إصدار أمر ترقية ستين قاضيا من المحكمة الإدارية من دفعة 2017 وأحد عشر قاضيا من دفعة 2018 رغم مصادقة مجلس القضاء الإداري عليها وإحالتها على رئيس الجمهورية على التوالي في أوت 2024 وأوت 2025، كعدم إصدار أمر إحداث دائرتين ابتدائيتين وعدم سد عديد الشغورات في الدوائر الابتدائية والاستئنافية والتعقيبية مما تسبب في المساس بحقوق القضاة الإداريين وتعطل مساراتهم المهنية والإضرار بمصالح المتقاضين وتعطل النظر في قضاياهم والبت فيها في آجال معقولة.

وفي السياق ذاته، أكّدوا أنّ تجميد الموارد المالية والبشرية المتاحة للمحكمة الإدارية عبر إبطاء وتيرة الانتدابات وحجم الميزانية دون سد الحاجيات المتأكدة للقضاء الإداري، بل وحتى دون تحقيق التوازن بين الإطار القضائي والإطار الإداري الوافد على المحكمة والمغادر لها ونقص المستلزمات اللوجستية اللازمة فضلا عن المتوفرة، تمثل عرقلة للمسارات المهنية للقضاة وتعكيرا لظروف العمل نحو مزيد تكبيل سير مرفق القضاء الإداري في تضارب صارخ مع الخطاب المعلن والمتكرر للسلطة التنفيذية المعبر عن حرصها على ضرورة التسريع في البت في القضايا.

وأشاروا إلى تواصل تعطيل السلطة التنفيذية إصدار تسمية الرئيس الأول لمحكمة المحاسبات بالرغم من استكمال إجراءات اقتراح التسمية من قبل المجلس المؤقت للقضاء المالي منذ نوفمبر 2022 وبقاء المحكمة دون رئيس أوّل لمدّة ثلاث سنوات والشلل التام على صعيد المجلس المؤقت للقضاء المالي منذ ما يفوق السنة بتعطيل مباشرة أعضائه الجدد الذين تمت تسميتهم بالحركة القضائيّة الأخيرة 2024-2025 وما نجم عنه من تعطيل ممنهج للقضاء المالي وفق مقتضيات استقلاليّته المضمّنة بالقانون الأساسي عدد 41 لسنة 2019 باعتباره جهازا أعلى للرقابة على حسن التصرف في المال العام وفق ضمانات المعايير الدولية المستوجبة.

وطالب القضاة بالإسراع بتركيز مجلس أعلى للقضاء مستقل طبق المعايير الدولية لاستقلال القضاء يحمي القضاة من انفراد السلطة التنفيذية بمساراتهم المهنية ويحقق التوازن بين السلط خاصة بعد ما كشفت عنه السنوات الأخيرة في غياب هذه المؤسسة الدستورية الهامة من تدهور غير مسبوق لأوضاع القضاء ولما يخشى منه من تفاقم هذا التدهور في أوضاع العدالة و من إضرار بحماية الحقوق والحريات ودولة القانون والنظام الديمقراطي.

ودعوا المكتب التنفيذي المنتخب إلى الانصراف بعزم إلى معالجة كل الملفات المتصلة بمشاغل القضاة وأوضاع القضاء في هذا الظرف الدقيق، مؤكدين على تمسكهم بجمعيتهم ويعبّرون عن عزمهم على مواصلة الجهد للاضطلاع بمسؤولياتهم في ترسيخ قيم العدل في كنف احترام القانون واستقلال القضاء ضمانا لحقوق الأفراد ولاستعادة القضاء المستقل الضامن لدولة القانون والنظام الديمقراطي.

أخبار ذات صلة:

تنويه

بمشاركة

لا يوجد مساهمين

مقالات مشابهة​