بعد 7 أشهر من الإيقاف.. وفاة مسترابة لشاب بالسجن المدني بمرناق

أكدت جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات، وفاة الشاب حاتم عابد داخل السجن المدني بمرناق وحسب رواية والده يُشتبه في كونها ناتجة عن التعذيب وسوء المعاملة.

6 دقيقة

وحاتم عابد، شاب تونسي يبلغ من العمر 25 سنة من متساكني منطقة حمام الأنف، تمّ إيقافه بتاريخ 11 أفريل 2025 على ذمة قضية سرقة، ثم إيداعه السجن المدني بمرناق. توفي وفاة مسترابة داخل السجن وحسب رواية والده يُشتبه في كونها ناتجة عن التعذيب وسوء المعاملة. رغم تعدد المساعي القضائية والإدارية التي قامت بها عائلته لكشف ملابسات الوفاة ومحاسبة المسؤولين، لم تُسفر هذه الجهود عن أي تحقيق فعلي أو مساءلة جدية، ما يعزز الطابع المستراب لوفاته داخل أماكن الاحتجاز.

تمّ استدعاء حاتم عابد من قبل فرقة الشرطة العدلية بحمام الأنف. وبإحالته على قلم التحقيق الثاني بالمحكمة الابتدائية ببن عروس، صدر بتاريخ 11 أفريل 2025 إذن بالاحتفاظ به على ذمة القضية عدد 1170/10232/2025 المتعلقة بتهمة السرقة المجردة، ليتم إيداعه بالسجن المدني بمرناق.

حسب رواية والد حاتم ظلّ حاتم رهن الاحتفاظ مدة تقارب السبعة أشهر، من أفريل إلى أكتوبر 2025. وخلال هذه الفترة، تفيد عائلته، استنادًا إلى شهادات سجناء سابقين، بتعرضه للتعذيب والضرب المبرح خاصة على مستوى الرأس من قبل أعوان السجن، إضافة إلى إخضاعه لعقوبات تأديبية قاسية، من بينها وضعه في “السيلون” وحرمانه من الأكل والشرب لمدة يومين.

لاحقًا، تم نقله إلى سجن أوذنة، حيث ازدادت حالته الصحية سوءًا دون تسجيل أي تدخل طبي ناجع لإنقاذه، قبل أن يتم نقله إلى مركز الإسعاف الطبي الاستعجالي (SAMU) في وضع صحي حرج. وتؤكد عائلته أنها تمكنت من رؤيته بالمركز الصحي ولاحظت أثار عنف واضحة على جسده.

بتاريخ 28 أكتوبر 2025، أصدر مدير سجن أوذنة بطاقة خروج تقضي بالسراح المؤقت لحاتم عابد، رغم كونه في حالة غيبوبة. وفي اليوم الموالي، الموافق لـ 29 أكتوبر 2025، توفي حاتم بعد قضائه نحو أسبوعين بمركز الإسعاف الطبي، في ظروف ترجّح تعرّضه للتعذيب حسب رواية والده. وبتاريخ 03 نوفمبر 2025، أصدرت الدائرة الجناحية الرابعة بالمحكمة الابتدائية ببن عروس حكمًا ابتدائيًا غيابيًا بانقضاء الدعوى العمومية لوفاة المتهم.

وفي إطار سعيها لكشف حقيقة الوفاة وتتبع المسؤولين عنها، تقدّم والد الضحية بعريضة إلى المحكمة الابتدائية ببن عروس لطلب تحديد سبب الوفاة. غير أن طلبه رُفض وتم توجيهه إلى المحكمة الابتدائية بتونس 1 باعتبارها مرجع نظر مركز الإسعاف الطبي. وبدوره تم رفض الطلب الثاني دون تقديم أي تعليل أو توجيه قانوني.

أمام هذا الوضع، تقدّم والد حاتم بشكايتين، الأولى إلى وزيرة العدل بتاريخ 22 ديسمبر 2025، والثانية إلى رئاسة الجمهورية بتاريخ 26 ديسمبر 2025، مؤكّدًا توفر شهود من السجناء السابقين مستعدين للإدلاء بشهاداتهم حول تعرّض ابنه للتعذيب. كما تحوّل لاحقًا شخصيًا إلى وزارة العدل، حيث أُفيد من قبل المصالح المعنية بأنه سيتم الاتصال به ومتابعة الملف، غير أنّه، وإلى حدود تاريخ إعداد هذا التوثيق، لم يتم التواصل معه ولم يُتخذ أي إجراء يُذكر.

تفيد المعطيات المتوفرة، استنادًا إلى شهادات متطابقة، بتعرض حاتم عابد للاعتداء بالعنف الشديد، لا سيما على مستوى الرأس، وهو ما يشكل انتهاكًا جسيمًا لحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، المنصوص عليه في المادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كما أن إخضاعه لعقوبات تأديبية قاسية، من بينها وضعه في “السيلون” وحرمانه من الأكل والشرب لمدة يومين، يمثل خرقًا مباشرًا لقواعد نيلسون مانديلا، وخاصة القاعدة 43 التي تحظر صراحة العقوبات البدنية وأي تدابير تأديبية تمسّ من الكرامة الإنسانية أو من الاحتياجات الأساسية للمحتجزين. تُصنَّف هذه الممارسات، وفق المعايير الدولية، ضمن ضروب المعاملة اللاإنسانية التي تشمل الاعتداء الجسدي الخطير وظروف الاحتجاز القاسية.

كما تُصنّف وفاة حاتم عابد ضمن حالات “الموت المستراب” التي تقع داخل أماكن الاحتجاز في ظروف غير طبيعية. وتتحمّل الدولة، بموجب التزاماتها القانونية والأخلاقية، المسؤولية الكاملة عن حماية حياة الأشخاص المحرومين من حريتهم، باعتبار أن السجين يوجد تحت سيطرتها الحصرية. إن تدهور الحالة الصحية لحاتم إلى حدّ دخوله في غيبوبة، دون تسجيل تدخل طبي عاجل وفعّال، يشير إلى إهمال جسيم قد يرقى إلى مستوى سوء المعاملة أو التعذيب غير المباشر. كما أن إصدار بطاقة سراح مؤقت له وهو في حالة غيبوبة، قبل يوم واحد فقط من وفاته، يثير شبهات جدّية حول محاولة التنصّل من المسؤولية القانونية عن وفاته داخل السجن، وفق البيان الصادر عن جمعية تقاطع.

واعتبرت تقاطع، بأن “حالة حاتم عابد، الذي نُقل إلى مركز الإسعاف الطبي وهو في وضع صحي بالغ الخطورة، تعكس خللًا هيكليًا خطيرًا في منظومة الرعاية الصحية داخل السجون، بما يتعارض مع القاعدة 24 من قواعد نيلسون مانديلا التي تلزم الدولة بتوفير رعاية صحية متكافئة للمحتجزين بما يعادل ما هو متاح في المجتمع. ويبرز هذا القصور من خلال التأخر في التكفل بالحالات الاستعجالية، ونقص الإحاطة الطبية، وغياب آليات إسعاف ناجعة، وهي عوامل تسهم بشكل مباشر في تفاقم الاخلالات الصحية، ووقوع وفيات مسترابة داخل أماكن الاحتجاز”.

كما اعتبرت أن رفض المحكمتين الابتدائيتين ببن عروس وتونس 1 مطالب العائلة الرامية إلى الحصول على الملف الطبي للضحية، لتحديد سبب الوفاة دون تعليل قانوني واضح إخلالًا خطيرًا بواجب الدولة في كشف الحقيقة وضمان المساءلة. كما أن غياب أي تفاعل فعلي مع الشكاوى المقدمة إلى وزارة العدل والجهات الأخرى يعزز مناخ الإفلات من العقاب ويقوض حق الضحايا في الانتصاف الفعّال”.

وشددت جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات على أن حق عائلات الضحايا في معرفة الحقيقة حول ظروف وفاة ذويهم هو أحد المبادئ الأساسية للعدالة وحقوق الإنسان، غير أن عائلة حاتم عابد تم إقصاؤها فعليًا من المسار القضائي، وحُرمت من الحصول على معلومات واضحة بشأن ملابسات الوفاة ومآل التحقيقات. كما أن غياب التواصل الرسمي والتوضيح من قبل الهيئة العامة للسجون ووزارة العدل يعمّق معاناة العائلة، ويكرّس حالة من الغموض والشك الدائم، بما يوحي بوجود تعتيم إداري يهدف إلى طمس الحقائق وحماية المسؤولين المحتملين عن الانتهاكات”.

تنويه

بمشاركة

لا يوجد مساهمين

مقالات مشابهة​